التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - مسألة القضاء والقدر
الواقعي الكامن وراء الأشياء والتكاليف.
قال الشيخ أبوعبداللّه المفيد- عميد المذهب-: «والوجه عندنا في القضاء والقدر، إنّ للّه تعالى في خلقه قضاءً وقدرا. وفي أفعالهم (أفعال العباد) أيضا قضاءً وقدرا معلوما.
ويكون المراد بذلك: أنّه قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له.
والقدر منه- سبحانه- فيما فعله: إيقاعه في حقّه وموضعه. وفي أفعال عباده: ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب، لأنّ ذلك كلّه واقع موقعه وموضوع في مكانه، لم يقع عبثا ولم يُصنَع باطلًا».[١]
وقال العلّامة جمالالدين الحسن بنيوسف بنعلي بن المطهّر الحلّي: «واعلم أنّ أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام قد بيّن معنى القضاء والقدر، وشرحهما شرحا وافيا، في حديث الأصبغ بننباتة عند منصرفه من صفّين، قال: قام إليه شيخ، فقال: أخبرنا يا أميرالؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء اللّه تعالى وقدره. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام:
والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئا، ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة، إلّا بقضاءه وقدره!
الشيخ: أعند اللّه أحتسب عنائي؟ ما أرى لي من الأجر شيئا!
الإمام: مه، أيّها الشيخ، بل عظَّم اللّه أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرّين.
الشيخ: كيف، والقضاء والقدر ساقانا؟
الإمام: ويحك، لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حتما! لوكان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر والنهي، ولم تتأتّ لائمة من اللّه لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذمّ من المحسن! تلك مقالة عبدة الأوثان[٢] وجنود الشيطان وشهود الزور، وأهل العمى من
[١] - تصحيح الاعتقاد شرح عقائد الصدوق، ص ٢٠.
[٢] - إشارة إلى أنّ الاعتقاد بالقضاء والقدر بالمعنى المذكور الباطل، هي عقيدة جاهلية اولى قد رفضها الإسلام.