التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - الموازنة أو المحاطة
يحصل التهاتر إمّا قهرا أو بالمواضعة، لأنّ كلًاّ من الحقّين مفروض كونهما نقدين، لا إذا كان أحدهما نقدا والآخر عرضا. أو أحدهما مالًا والآخر حقّا.
وهنا- في مسألة الموازنة- هل يتحاطّ نفس العملين، أحدهما خير والآخر شرّ؟ أو يتحاطّ جزاؤهما. من مثوبة وعقوبة؟ مثلًا إذا قام المكلّف بسيّئة هي من مقولة الأعمال كالزنا وشرب الخمر، أو تجاوزا بحقوق الآخرين كالغصب وضرب اليتيم، ثمّ أتى بحسنة هي من قبيل الأذكار كالتسبيحات الأربع، أو مزيجا من الأفعال والأذكار كنافلة الليل، ممّا لاتناسب بينها وبين السيّئات التي قام بها .. فبماذا يتقابل العملان؟
هل لفاحشة الزنا قدر يتقدّر عليه التسبيح والتقديس؟ أم هل للصلاة مقياس ودرجات يقاس عليها الغصب وضرب اليتيم؟
ولئن زعم الزاعم أنّ الموازنة سوف تلاحظ بين مثوبات الأعمال وعقوباتها! قلنا: لو فرض أنّ عقوبة آكل مال اليتيم عشرة من الحيّات، ينهشنه كلّ يوم عشر مرّات وكانت مثوبة تسبيحة واحدة سبعين من الحور العين يتلاعبن معه كلّ صباح سبعين دورا. فهل يسقط من سبعين حورا عشرة على قدر الحيّات، وينقص من أدوار التلاعب معهنّ أيضا عشرة على قدر النهشات التي استحقّهنّ آكل مال اليتيم؟! وإن كانت الدقّة في المحاسبة تقتضي سقوط مقدار أقلّ!
ثمّ هل الملحوظ- حقيقة- عند التقابل والموازنة، جانب كمّ القضية أم كيفها؟ وهل يقاس حجم السيّئة مع الحسنة أم عددهما أم جانب تأثيرهما. نفسيا واجتماعيا وما إلى ذلك؟! أم ذاك موكول إلى علمه تعالى حسبما يراه من ترجيح ومقايسة؟!
كلّ ذلك ممّا لم يرد بشأنه دليل لا في الكتاب ولا في السنّة الصحيحة. حتى ولو فرضنا أنّ الفرضية أمر ممكن بالذات. لكن ليس كلّ ممكن واقعا، ولا جاز الاعتقاد به مادام لم ينطق به الشرع المبين. وإلّا كانت بدعة خاطئة في أُصول عقائد الدين!
والعجب من بعض أرباب الفضيلة، أنّه حاول تقوية مذهب أبي هاشم في الموازنة،