التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - مسألة السعادة والشقاء
في شأنه: قد غلبت عليه شقوته، فأمسى من السافلين.
قال الإمام أبوعبداللّه الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا»[١] قال: «بأعمالهم شقوا».[٢] هذا الحديث الشريف يؤكّد على أنّ الشقاء أمر مكتسب من قبل العبد نفسه، وليس أمرا مفروضا عليه من قبل اللّه سبحانه. حيث عدله وحكمته تأبى فرض الشرّ على أحد إطلاقا.
وسأل ابن أبيعمير- الفقيه العلّامة العملاق- أبا الحسن الإمام موسى بنجعفر عليه السلام عن تفسير قول رسولاللّه صلى الله عليه و آله «الشقيّ من شقي في بطن امّه، والسعيد من سعد في بطن امّه». فقال الإمام عليه السلام: «الشقيّ من علم اللّه- وهو في بطن امّه- أنّه سيعمل أعمال الأشقياء. والسعيد من علم اللّه- وهو في بطن امّه- أنّه سيعمل أعمال السعداء».
فسأله ثانية: فما معنى قوله صلى الله عليه و آله: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».[٣] فقال الإمام: «إنّ اللّه- عزّوجلّ- خلق الجنّ والإنس ليعبدوه، ولم يخلقهم ليعصوه. وذلك قوله- عزّوجلّ- «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».[٤] فيسّر كلًاّ لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».[٥]
هذا من جلائل أحاديث أهل البيت عليهم السلام- وهم أدرى بما في البيت- وهو يؤكّد تماما ماذكرنا: إن أحدا لم يقدّر له أن يكون شقيا أو خبيثا.
وقوله أخيرا: «فيسّر كلًاّ لما خلق له» إشارة إلى قوله تعالى: «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ»[٦] أي
[١] - المؤمنون ١٠٦: ٢٣.
[٢] - التوحيد للصدوق، ص ٣٥٦؛ والبحار، ج ٥، ص ١٥٧، رقم ٩.
[٣] - هذا الحديث رواه أهل السنّة بعدّة أسانيد، منها مارواه البخاري في جامعه، باب قول اللّه تعالى:« وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ» القمر ١٧: ٥٤. عن عمران قال: قلت: يا رسولاللّه، فيما يعمل العاملون؟ قال:« كلّ ميسّر لما خلق له». وهكذا رووا عن علي عليه السلام قال:« اعملوا فكلٌّ ميسّر». صحيح البخاري، ج ٩، ص ١٩٥. وقد أخذت الأشاعرة- وهم جلّ أهل السنّة- من هذه الأحاديث دليلًا على مذهبهم في الجبر، حسبما يأتي. ومن ثمّ فإنّ الإمام عليه السلام مع إقراره لأصل الحديث يخطّؤهم في فهم معناه وأنّ له تفسيرا يتوافق مع عدله وحكمته تعالى على ما بيّنه الإمام عليه السلام.
[٤] - الذاريات ٥٦: ٥١.
[٥] - التوحيد للصدوق، ص ٣٥٦؛ والبحار، ج ٥، ص ١٥٧، رقم ١٠.
[٦] - عبس ٢٠: ٨٠.