التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٨ - مسألة القضاء والقدر
٣- وقال صلى الله عليه و آله: «ستّة لعنهم اللّه ... الزائد في كتاب اللّه، المكذّب بقدر اللّه، والتارك لسنّتي، والمستحلّ من عترتي، والمتسلّط بالجبروت، والمستأثر بفيء المسلمين».[١]
الطائفة الثانية: الأحاديث الناهية عن التعرّض لمسألة القدر، مخافة الزلّة فيها. وذلك لأنّ الإيمان بالقدر كان من أُصول العقائد الجاهلية بانحراف في فحواها كانوا يعتقدون من تقديره تعالى لحوادث هذا الكون وتدبيره لشؤون الخليقة جبرا للعباد فيما يزاولون من أعمال اختيارية. إذ لايقع شي في عالم الوجود إلّا بتقدير اللّه، فلا موقع لإرادة العباد واختيارهم في ذلك من شيء!
هذا في حين أنّ مسألة القدر تعني شيئا آخر لاصلة بينه و بين الإلجاء والاضطرار. إذ علمه تعالى الأزلي بمصالح الأشياء ومفاسدها، خيرها وشرّها، ليكون خلقه وإيجاده للأشياء عن مصالح وملاكات كامنة وراء وجوداتها، تحقيقا لجانب حكمته تعالى وعدله، لامساس له بمسألة الجبر واضطرار العباد على أفعالهم الاختيارية.
ولعلّك بمراجعه ما أثبتنا في مسألة الأمر بين الأمرين عرفت مدى دقّة هذه المسألة المنطوية على سرّ الوجود على الإطلاق، إذ معرفة مابين وجود الموجودات طرّا، وتأثيره تعالى في ذلك، من أدقّ المعارف الإسلامية العليا، قد كابد العلماء الأمرّين حتّى عثروا على حقيقتها ووقفوا على كنهها، على مانبّهنا. وهذا هو السرّ في النهي عن ولوجها، ولكن نهيا موجّها إلى اولئك القاصري النظر من ذوي المعلومات الهابطة أو الضئيلة في مجالات العلوم الإسلامية الأُصولية ذلك العهد. وإليك نماذج منها:
٤/ ١- سأل رجل الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام عن القدر، فقال: «بحر عميق فلا تلجه».
فسأله ثانية، فقال: «طريق مظلم فلا تسلكه». فسأله ثالثة، فقال: «سرّ اللّه فلا تتكلّفه».[٢]
٥/ ٢- وفي نهج البلاغة: قال- وقد سئل عن القدر-: «طريق مظلم فلا تسلكوه
[١] - الخصال، باب الستة، ص ٣٣٨؛ والبحار، ج ٥، ص ٨٧، رقم ٤.
[٢] - التوحيد للصدوق، ص ٣٦٥، رقم ٣؛ والبحار، ج ٥، ص ٩٧ و ١١٠.