التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - مسألة السعادة والشقاء
مسألة السعادة والشقاء
من المسائل المستعصية في الاصول هي مسألة «السعادة والشقاء»: هل السعيد من كتبت له السعادة في الأزل، والشقي من كتب له الشقاء في بطن امّه وقبل أن يولد؟! إذن فما موقف السعيد من سعادته، وموقف الشقي من شقائه؟ إذا كانت السعادة والشقاء أمرين خارجين عن اختيار المكلّف ذاته، وإنّما هما مفروضان عليه، رغم إرادته ومساعيه في هذه الحياة؟!
قلت: «السعادة» قد تطلق ويقصد بها معنى نفسي، وهي حالة استقامة للنفس تجعلها ترغب- دائما- في الخير وفي مناشئ الصلاح، ولا تميل في ذاتها إلى شرّ أو فساد. وفي مقابلة ذلك «الشقاء» حالة نفسية منحرفة تميل بها إلى الشرّ والفساد ولا ترغب في خير ولا في صلاح. وتسمّى هذه الحالة بالخباثة النفسية، وصاحبها «شقي» أي «خبيث».[١] كما تسمّى الحالة الاولى بطيب النفس، وصاحبها «سعيد» أي «طيب النفس».
وللسعادة والشقاء معنى آخر يرتبط وحالة الإنسان الظاهرية ممّا يمسّ عيشته في هذه الحياة. إذ تكون السعادة حينذاك بمعنى الرفاه في العيش، والشقاء بمعنى العناء أي الضيق والشدةّ في الحياة.
قال تعالى: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى»[٢] أي لتضيق على نفسك بكثرة العبادة ونبذ لذائذ الحياة رأسا. وقال: «فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى»[٣] أي فتتعب وتقع في عناء العيش بعد هذا الرغد والمرفهية.
كما ورد في الحديث: «من سعادة المرء سعة داره، ومن شقاءه ضيق داره» أي من قدِّر له الرفاه في هذه الحياة كان من دلائله أن ينعم بسعة في داره، ومن قدِّر له الضيق في الحياة، كان من دلائله أن يرزق بدار ضيّقة. إذ ليست سعة الدار ولاضيقها ممّا يرتبط
[١] - كما في قوله تعالى:« وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا» مريم ٣٢: ١٩. وقوله:« كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» الشمس ١١: ٩١- ١٢.
[٢] - طه ١: ٢٠- ٢.
[٣] - طه ١١٧: ٢٠.