التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥١ - معني شقي و سعيد
ذكر الإرادة لهذا الوجه.[١]
و كلام العرب وحي و إشارات و استعارات و مجازات،[٢] و لهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة، فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة، و جرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة، بريّا من البلاغة، و كلام اللّه تعالى أفصح الكلام.
و الوجه الرابع: أن تحمل الآية على التقديم و التأخير، فيكون تليصها: إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا و استحقّوا العقاب أردنا إهلاكهم، و التقديم و التأخير في الشعر و كلام العرب كثير.
و ممّا يمكن أن يكون شاهدا لصحّة هذا التأويل من القرآن، قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ»[٣] و الطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة. و قوله تعالى: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ».[٤] و قيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة، لأنّ إقامتها هي الإتيان بجميعها على الكمال.[٥].
[١] - في حاشية الأمالي:« تصير المجاز في الآية على أنّ التقدير: إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا. و كذلك قولهم:
إذا أراد المريض ... التقدير: إذا قرب موت المريض خلط. و كذلك التاجر إذا قرب افتقاره أتته النوائب. و هذا كقوله تعالى:
« فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ». الكهف ١٨: ٧٧. أي يقرب أن ينقضّ. و إنّما كنى بالإرادة عن القرب في هذا المواضع، لأنّ المريد للشيء- المخلي بينه و بينه- و لا مانع هناك، ما أقرب ما يقع مراده. و اللّه أعلم».
[٢] - في حاشية الأمالي:« الإرادة قد تستعمل في الجماد، فضلا عن العقلاء». كقوله تعالى:« جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» و كقول الراعي النميري.
|
في مهمه قلقت به هاماتها |
قلق الفووس إذا أردن نصولا |
|
[٣] - المائدة ٥: ٦.
[٤] - النساء ٤: ١٠٢.
[٥] - و زاد شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي:« و مثله قوله:« ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ». القصص ٢٨: ٧٦. و التقدير: ما إنّ مفاتحه لتنوء بها العصبة أي يثقلون بها. و مثله قول الشاعر:
|
ذعرت القطا و نفيت عنه |
مقام الذئب كالرجل اللعين |
|