التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - تصوير إجمالي عن مسألة البداء
فعلمه تعالى القديم إنّما تعلّق به باعتبار أنّه سيوجد في وقت كذا. أمّا علمه تعالى المتعلّق بعينه بسمة أنّه موجود بالفعل، فهذا إنّما يكون بعد ظهوره على صفحة الوجود!
وقد اصطلحوا على تسمية علمه تعالى هذا، المتعلّق بأعيان الأشياء بعد وجوداتها، بالعلم الحادث، المسبوق بعلمه تعالى القديم. ولم يحصل تغيير في ذات علمه تعالى، وإنّما حصل التغيّر في متعلّقه. فمن علمه بالأشياء بوصف أنّها ستوجد، تبدّل إلى علمه بأعيان الأشياء باعتبارها موجودة بالفعل، فقد تغيّر وصف المعلوم لا ذات العلم. فلا تغيير في علمه تعالى، لم يزل ولا يزال كما هو، وإنّما التغيير في المتعلّقات.
ولو أردنا مقايسة علمه تعالى هذا الحادث، بعلمنا الحادث المتعلّق بالأشياء لعرفنا أنّ وصف الحدوث لعلمنا، إنّما هو باعتبار سبق الجهل منّا، وأنّه لم يكن ثُمّ كان.
أمّا علمه تعالى الحادث، فهو باعتبار سبقه بالعلم القديم. فهو تعالى لم يزل عالما، أمّا في القديم فباعتبار تعلّقه بكائن سيُوجَد. وأمّا في الجديد فباعتبار تعلّقه بكائن قد وُجِد (موجود بالفعل). فالحدوث والقدم في علمه تعالى إنّما هو باعتبار وصف المتعلّق لا في ذات العلم.
وهكذا مشيئته تعالى التابعة لعلمه. فهناك مشيئة قديمة بإيجاد الأشياء في ظروفها المؤاتية. ومشيئة حادثة عند تحقّق الشرائط، تعلّق بإيجادها بالفعل. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[١] هذه الإرادة هي الحادثة لدى تحقّق الشرائط المؤاتية للتكوين. «وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٢] أي إذا تحتّمت للشيء شرائطه الوجوديّة، فإنّه يوجد لا محالة، بإذنه تعالى. «وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا».[٣] «لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا».[٤]
وعليه فمعنى «بدا للّه»: أنّ مشيئته تعالى الحادثة، قد تعلّقت بتكوين شيء لم يكن بالحُسبان، أي بحُسبان الشرائط الراهنة (المعهودة) لولا الشرائط المفاجئة، (غير المترقّبة)
[١] - يس ٨٢: ٣٦.
[٢] - البقرة ١١٧: ٢.
[٣] - الأحزاب ٣٧: ٣٣.
[٤] - الأنفال ٤٢: ٨.