التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - مسألة التمحيص والاختبار
أنواع الطوائف والآحاد في تجسيد مافي كمونهم من قوى وصلاحيّات «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»[١] أي ليمتاز أحدهما عن الآخر.
وذلك تمهيدا للفوز على مختلف درجات الآخرة، فلا يستوي الأفراد في البلوغ إلى مدارج الكمال والقرب من رضوانه تعالى. فلو كان اللّه يثيب الناس على حسب استعداداتهم المتفاوتة من قريب وأقرب أو بعيد وأبعد، وفق مايعلمه من اختلاف قابليّاتهم في التقرّب والابتعاد، لكانت صرخات الاعتراض تعلو: لماذا هذا الافتراق والتفاوت في العناية والألطاف؟!
إذن كان من الحكمة أن يعمّ امتحان شامل «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ».[٢] ليتجلّى للناس ماهم عليه من تفاوت واختلاف. «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ».[٣]
*** ١- قال تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»[٤] أي حتّى يظهر للناس أنفسهم امتياز أحدهما عن الآخر.
٢- وقال: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ (أي بالإقبال والإدبار) وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ».[٥]
قوله: «يَعْلَمُ»- في المواضع الثلاثة- أي ليبدو للناس ويتجلّى علمه الأزلي بشأن مختلف الطبقات.
٣- «وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ»[٦] أي ليمتحنكم ويبدي
[١] - الأنفال ٣٧: ٨.
[٢] - الأنفال ٤٢: ٨.
[٣] - النساء ١٦٥: ٤.
[٤] - آلعمران ١٧٩: ٣.
[٥] - آلعمران ١٤٠: ٣- ١٤٢.
[٦] - آلعمران ١٥٤: ٣.