التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - مسألة القضاء والقدر
القضاء- في اللغة- جاء بمعنى الأمر الحتم والحكم الفصل، النافذ نفوذا قاطعا يكون هو منتهى الشيء فلا تعلّل بعده. قال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكلّ ما أُحكم عمله أو أُتمّ أو ختم أو أُدّي أداء أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أمضى فقد قضى.
فالتكليف إذا كان إلزاما كان قضاء. ومنه قوله تعالى: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً».[١]
وكذا حكم القاضي قضاء، لكونه الفصل القاطع للدعوى. ومنه قوله تعالى: «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً».[٢]
وهكذا الإخبار الحتمي والإعلام بشيء يقيني لامردّ له- أيضا- قضاء ومنه قوله تعالى: «وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً».[٣] وقوله: «وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ».[٤]
وكذلك انتهاء الأجل المضروب قضاء. ومنه قوله تعالى: «فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ».[٥] وقوله: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا».[٦] أي عيّن أجلًا محدّدا لاينقص ولايزيد.
ومن ذلك سمّي الموت قضاء، إذ به ينتهي أمد العمر انتهاءً قاطعا لامردّ له. ومنه قوله تعالى: «فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ».[٧] وقوله: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ».[٨] وقوله: «يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ»[٩] أي بالموت.
وأيضا فكلّ أمر نافذ قطعي لا تعلّل فيه ولا تريّث هو قضاء، وهكذا العمل المبرم لايقف في وجهه شيء قضاء. ومنه قوله تعالى: «وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
[١] - الإسراء ٢٣: ١٧. وراجع: لسان العرب، ج ١٥، ص ١٨٦.
[٢] - النساء ٦٥: ٤.
[٣] - الإسراء ٤: ١٧.
[٤] - الحجر ٦٦: ١٥.
[٥] - القصص ٢٩: ٢٨.
[٦] - الأنعام ٢: ٦.
[٧] - القصص ١٥: ٢٨.
[٨] - الأحزاب ٢٣: ٣٣.
[٩] - الزخرف ٧٧: ٤٣.