التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٠ - مسألة الهداية والتوفيق
الدنيا دار اختيار واختبار، ولا اختبار مع الإلجاء والإكراه. وبذلك نوّه الذكر الحكيم، قال تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ».[١] وقال: «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً».[٢] لكنّه تعالى لم يشأها، حيث منافاتها للتكليف والاختبار.
*** وقسّم سيدنا الأُستاذ رحمه الله أنحاء الهداية إلى ثلاثة:
الأُولى- هداية تكوينية عامّة، أعدّها اللّه في طبيعة الموجودات، وهي تسير بطبعها نحو الكمال، وتهتدي بنفسها إلى طرق الاستكمال «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى».[٣]
الثانية- هداية تشريعية عامّة، أفاض على الإنسان العقل وقدرة تمييز الحقّ عن الباطل، وأيّده بإرسال رسل وإنزال كتب وشرائع «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً».[٤]
الثالثة- هداية تكوينية خاصّة، عناية ربّانية خصّ اللّه بها بعض عباده ممّن وفّقهم وسدّدهم نحو الصواب وفق اقتضاء حكمته ولطفه «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا».[٥]
وبذلك فسّر رحمه الله طلب الهداية في قوله: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ».[٦] حيث المسلم بعد ما اعترف بأنّ اللّه قد منّ عليه بهدايته العامّة التشريعية، يطلب من اللّه أن يمنحه هدايته الخاصّة التي يختصّ بها من يشاء من عباده.[٧]
والهداية في كلّ مرتبة من مراتبها الخمس المتقدّمة هي ذات درجات أعلا فأعلا، يتدرّجها عباد اللّه النابهون درجة بعد درجة ومرحلة بعد اخرى إلى غير نهاية حيث لا نهاية ولا غاية لرحمته تعالى الواسعة، فكلّما بلغ العبد منزلة رفيعة من رحمته تعالى تكون وراءها مراتب أرفع وأعلا وأقرب إلى فيض قدسه تعالى، ولايزال مثل نبيّنا صلى الله عليه و آله يرتفع
[١] - الأنعام ١٤٩: ٦.
[٢] - الرعد ٣١: ١٣.
[٣] - طه ٥٠: ٢٠.
[٤] - الإنسان ٣: ٧٦.
[٥] - العنكبوت ٦٩: ٢٩.
[٦] - الفاتحة ٦: ١.
[٧] - راجع: البيان في تفسير القرآن- عند تفسير سورة الفاتحة-، ص ٥٢٧- ٥٢٩.