التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٣ - معني شقي و سعيد
١٠٦- «وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».[١]
الإغواء في هذه الآية هو الخذلان وسلب التوفيق على أثر معاندتهم مع الحقّ، ومتى بلغ الإنسان هذه المرتبة من الجفاء العارم، وسلب عنه التوفيق بما كسبت يداه، فلا موضع في قلبه لنفاذ النصح والإرشاد. فمعنى «يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ»: «لايريد أن يهديكم» لعدم صلاحية في المحل وعدم استعداده للتلقّي والقبول.
والدليل على ذلك قولهم: «يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ».[٢] فهذا من التعنّت واللجاج تجاه الحقّ بما يجعل تأثير الدعوة فيهم مستحيلًا.
[معني شقي و سعيد]
١٠٧- «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ».[٣] الشقاء والسعادة في الآية بمعنى الضيق والسعة، فالكافر ذاك اليوم مضيق عليه في شدّة وألم دائم. والمؤمن موسّع عليه في رفاه وسرور مستمرّ.
١٠٨- «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ».[٤] الإرادة- هنا- تكوينية وهي لاتتخلّف عن المراد، حسب ما أسلفنا توضيحه سابقا (ص ١٦٨).
١٠٩- «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً. وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ. وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ. وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ».[٥]
أي «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ» بمشيئة تكوين «لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً» برفع اختلاف نزعاتهم وأهوائهم واتّجاهاتهم. وذلك بإلجائهم على طريقة واحدة مسيرين عليها جبرا في نظام رتيب كعيشة النمل والنحل.
وهذا كقوله تعالى: «وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ».[٦] وقوله: «أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً».[٧]
[١] - هود ٣٤: ١١.
[٢] - هود ٣٢: ١١.
[٣] - هود ١٠٥: ١١.
[٤] - هود ١٠٧: ١١.
[٥] - هود ١١٨: ١١- ١١٩.
[٦] - النحل ٩: ١٦.
[٧] - الرعد ٣١: ١٣.