التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٠ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
٥- «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً»[١] يعني: كفرا وشكّا. وذلك يدلّ على أنّه تعالى يخلق الشك والكفر في قلوب الكافرين والمنافقين.
والجواب: أنّ المقصود بالمرض في الآية هو الانحراف والميل إلى الفساد، كما أنّ الجسم إذا انحرف عن استقامته في الصحّة كان مريضا، كذلك الروح إذا انحرفت عن جادّة العقل وأخذت في معاكسة الفطرة، فإنّها مريضة، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس.
والسبب في هذا المرض الروحي هو التفريط في عدم تموين الروح بما يلائمها من غذاء سليم في هدى العقل الرشيد. وكلّما استبدّ صاحبه في هذا الانعطاف غير الطبيعي، ازداد اعوجاجا عن الجادّة الوسطى المستقيمة، واقترابا إلى ملتويات الطريق، وأخيرا إلى سقوط هائل في مهاوي الضلال السحيق. «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ».[٢]
ولا شكّ أنّ الأخذ في زيادة الانحراف كان بإصرارهم على العناد واللجاج، وتمكّن إبليس من قلوبهم واستحواذه على مشاعرهم فهم لايفقهون، غير أنّ نسبة ذلك إلى اللّه كانت بمناسبة أنّه- عزّوجلّ- أقدرهم على ذلك لحكمة التكليف والاختبار «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».[٣]
ومن ثمّ قد نرى نسبة مايفعله الشيطان إلى اللّه تعالى، لنفس السبب. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ»،[٤] مع أنّه قال تعالى: «وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ».[٥] وقال: «فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ».[٦] وقال: «وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ».[٧] إلى غيرها من آيات.
٦- «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ».[٨] فذكر أنّ الطغيان من فعله تعالى فيهم، مضافا إلى إسناد الاستهزاء إلى نفسه تعالى، دليلًا على أنّه يخلق فيهم هذه الأفعال!
والجواب: أنّ المدّ في الطغيان عبارة اخرى عن الخذلان الذي استوجبوه لأنفسهم
[١] - البقرة ١٠: ٢.
[٢] - الصفّ ٥: ٦١.
[٣] - النساء ١٦٥: ٤.
[٤] - النمل ٤: ٢٧.
[٥] - العنكبوت ٣٨: ٢٩، والنمل ٢٤: ٢٧.
[٦] - النحل ٦٣: ١٦.
[٧] - الأنفال ٤٨: ٨.
[٨] - البقرة ١٥: ٢.