التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - شواهد وبينات
الحصول، فقد كانت مدّة كونها البقائي عين مدّة حدوثها الابتدائي الإنشائي.
فهذه المدّة المضروبة في الكلام الإلهي، هي مدّة بقاء وجودها، الذي هو عين الحدوث.
قال: ويشير إلى هذا المعنى، قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ».
قال: وأمّا حديث «جّف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».[١] فهو بالقياس إلى عالم آخر هو عالم الغيب الذي هو فوق عالم الحسّ والشهادة.
قال: ولو نظرت- حقّ النظر- إلى حقيقة كلّ أمر متغيّر في عالم الحسّ، تلك الحقيقة التي هي وراء هذا العالم المحسوس، لوجدته حقيقة ثابتة، وخارجة عن محدودة الزمان والمكان، ومترفّعة عن التجدّد والتغيّر والحدَثَان. فلو انخلعنا عن هذه الحواسّ الظاهرة، ونظرنا إلى تلك الحقائق أيضا منخلعة عن الزمان والمكان، إذن لوجدنا الأرض غير الأرض، والسماوات غير السماوات، وكانت بأجمعها مطويّات بيمين الحقّ تعالى.[٢]
شواهد وبيّنات
من الدلائل اللّائحة بصحّة أمر البداء، ما وقع من تغيير في تقدير إلهي، جاء ذكره في الكتاب العزيز، فكان أكبر برهان على الإمكان بعد الوقوع.
*- من ذلك ما حكاه تعالى عن قوم يونس، لمّا آمنوا كشف اللّه عنهم العذاب وقد كان سُجّل عليهم تسجيلًا.
قال تعالى: «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ».[٣]
لولا، هنا للتأنيب، ومعناه النفي. أي لم تكن قرية آمنت عند معاينة العذاب فنفعها
[١] - على ما روته العامّة، وليست من روايات الخاصّة بهذا المضمون، حسبما عرفت.
[٢] - راجع: تفسير القرآن الكريم، ج ٦، ص ٣١- ٣٣. وقد سبق تلخيص كلامه.
[٣] - يونس ٩٨: ١٠.