التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - الصفاتية
«الكرامية» أصحاب أبي عبداللّه محمد بنكرام[١] كانوا ممّن يثبتون الصفات إلّا أنّهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه. أمّا «الأشعرية» فكانت امتدادا للصفاتية على ما سنذكر. وأمّا «المعتزلة» فكانوا انتفاضة في وجه السلف الصفاتيين، على يد واصل بنعطاء وعمرو بنعبيد تلميذي الحسن البصري، جرى بين واصل واستاذه نقاش في مسألة مرتكب الكبائر هل هو مؤمن أم هو خارج عن الإيمان، فقال واصل: لا مؤمن ولا كافر، والتزم بالمنزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن، فاعتزله واصل إلى ناحية المسجد، وانضمّ إليه عمرو.
الصفاتية
كان أكثرية السلف يثبتون للّه صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجود والإنعام والجلال والإكرام، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا. كما كانوا يثبتون مثل اليد والرجل والوجه والعين والنزول والصعود والرؤية، ويسمّونها «صفات خبرية» أي أنّها صفات وردت في الشريعة وجاء بها الخبر الصحيح. كانوا يعترفون بها وإن لم يدركوا من حقيقتها شيئا، وكانوا لايشبّهون ذاته المقدّسة بصفات المخلوقين إذ ليس كمثله شيء، ولا كانوا يؤوّلونها. قالوا: عرفنا بمقتضى العقل أنّ اللّه تعالى ليس كمثله شيء، فلايشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك، إلّا أنّا لانعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»،[٢] ومثل قوله: «خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»،[٣] ومثل قوله:
«وَ جاءَ رَبُّكَ»،[٤] إلى غير ذلك. قالوا: ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لاشريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينا.[٥]
[١] - كان من سجستان، دعى أتباعه إلى تجسيم المعبود وأنّ له حدّا ونهايةً وجهةً. وكان حسن الظاهر، وبلغ أتباعه في خراسان وحدها أكثر من عشرين ألفا وكان له مثل ذلك في أرض فلسطين. مات سنة ٢٥٥.
[٢] - طه ٥: ٢٠.
[٣] - ص ٧٥: ٣٨.
[٤] - الفجر ٢٢: ٨٩.
[٥] - الملل والنحل للشهرستاني، ج ١، ص ٩٢.