التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
٣٩- وعلى هذا النمط جاءت الآية التالية بشأن النصارى: «وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ».[١]
أي بما أنّهم تركوا شريعة اللّه المستقيمة، ونبذوا منهاجه القويم، أخذت دواعي الاختلاف والتكالب على حطام الدنيا، تدبّ في أعراقهم وترسب جذوره في أعماقهم، حيث مختلف النزعات والأهواء «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ».[٢] ووجه النسبة إليه تعالى هو الوجه في الآية المتقدّمة.
٤٠- «وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ».[٣]
هؤلاء هم الّذين عاندوا الحقّ وأخذوا في اتجاه معاكس للإنسانية، ومن ثمّ ابتعدوا عن معالم الهدى وعن المنهج المستقيم فتحمّلوا خزي الحياة واستحقّوا سوء العذاب. بدليل صدر الآية: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ...».
والفتنة هي العقاب الصارم «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ».[٤] أو الامتحان بالتكليف «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ».[٥]
فمعنى الآية: إنّ من يرد اللّه أن يعاقبه لمعاندته للحقّ ولسوء أعماله الهدّامة، فلن تملك له من اللّه شيئا. إنّهم ممّن استحقّوا الخذلان وسوء العذاب.
٤١- «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ».[٦]
المشيئة في الآية تكوينية، ومن ثمّ لم يشأها، لمنافاتها لحكمة التكليف والاختبار
[١] - المائدة ١٤: ٥.
[٢] - يونس ٣٢: ١٠.
[٣] - المائدة ٤١: ٥.
[٤] - الذاريات ١٣: ٥١.
[٥] - الأعراف ١٥٥: ٧.
[٦] - المائدة ٤٨: ٥.