التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٧ - محاجة موسى مع فرعون
وهذا ليس من الإغواء الموبق، حيث لم يكن قتل القبطي معصية، ليكون إغراء إبليس بذلك إغراء لموسى إلى معصية اللّه. بل كان إغراء بما يوجب التغرير بنفسه الكريمة وتعريضها للهلاك، فقد هيّج إبليس من غضب موسى (أي مهّد أسباب تهييجه) ليقدم على قتل القبطي، وبالتالي يقع هو في قبضة السلطات فيقتلونه، وبذلك قد نصب إبليس فخّا للقضاء على موسى عليه السلام. إذن لم يكن ذلك من الاستيلاء الذي نتحاشاه بشأن عباد اللّه المخلصين.
ووجه آخر لعلّه أسلم من الإشكال، وهو أنّ المشار إليه في قوله: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» هو السبب الداعي لوقوع القتل، أي لولا إضلاله للأقباط واستيلاؤه على مشاعر المصريين فيتأليههم فرعون والاستسلام لقيادته الفاسدة، لم تتهيّأ موجبات هذا القتل وأمثاله ممّا ابتلى به بنو إسرائيل، وكانت بعثة موسى لاستخلاصهم من نير الذّل والهوان.
ويترجّح هذا الوجه بملاحظة وضوح المناسبة بينه وبين التعقيب بقوله «إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ». أي ظاهر العداوة للإنسان. ولا شكّ أنّ موسى عليه السلام لم يرد إضلاله له بل إضلاله لغيره، ولعلّهم هم القبط.
وأمّا قوله: «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي» فيعني تلك المخاطرة بها وتغريرها للهلاك على أيدي أعداء اللّه. ولاشكّ أنّها كانت بادرة غريبة منه، لم تكن تنبغي من مثله وهو على مدارج الصعود إلى مرتبة النبوّة السامية. الأمر الذي يكون من ترك الأولى بالنسبة إلى مثله، فكان ينبغي الاستغفار منه، ومن ثمّ أجابه تعالى على الفور. حيث كانت تلك البادرة- مهما كانت- فإنّها في سبيل الغضب للّه تعالى.
محاجّة موسى مع فرعون
«قالَ (فرعون مخاطبا لموسى عليه السلام) أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ (موسى) فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ».[١]
[١] - الشعراء ١٨: ٢٦- ٢٠.