التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٥ - ابتلاء أيوب
آخر وراء هذا الظاهر، فلا يرفعون حاجة إلى غيره تعالى مهما بلغت، كما صمد إبراهيم الخليل عليه السلام عند إلقائه في النار، قائلًا: الذي خلقني فهو يراني!. فالذي كان من يوسف عليه السلام لايعدو تركا للأولى لاغير.
ابتلاء أيّوب
قال تعالى: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ».[١]
قيل: كيف يمسّه الشيطان وهو لايملك الاستحواذ على عباد اللّه المخلصين؟ وما هذا النصب والعذاب الذي اصيب به نبي اللّه أيّوب وهو معصوم؟
والجواب: لاشكّ أنّ إبليس لايستطيع الاستحواذ على عباد اللّه المخلصين ولاسيّما الأنبياء العظام. لكنّه يستطيع عرقلة الطريق أمامهم وتكدير الحياة عليهم بدسائسه الخبيثة.
إنّه لم يتسلّط على أيّوب عليه السلام ولم يملك قلبه الكريم الذي هو مهبط وحي اللّه ودار كرامته الخاصّة به، فلا موضع لإبليس فيه ولا مطمع أبديا. نعم استطاع إيقاع الأذى به تسبيبا بوساوسه على أقربائه وحاشيته. فأوقعه عليه السلام في نصب أي عناء وجهد، وعذاب أي ألم ومحنة، ومن ثمّ جاء التعبير بالضرّ في آية اخرى: «وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى لِلْعابِدِينَ».[٢]
قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ اللّه عزّوجلّ يبتلي المؤمن بكلّ بليّة ويميته بكلّ ميتة، ولا يبتليه بذهاب عقله. أماترى أيّوب كيف سلّط إبليس على ماله وعلى ولده وعلى أهله وعلى كلّ شيء منه، ولم يسلّط على عقله، تركه له ليوحّد اللّه به».[٣]
[١] - ص ٤١: ٣٨.
[٢] - الأنبياء ٨٣: ٢١- ٨٤.
[٣] - بحارالأنوار، ج ١٢، ص ٣٤١؛ والكافي، ج ٢، ص ٢٥٦، ح ٢٢.