التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
والحكم المترتب على ذي الصّفة من علاقة سببية أو شبهها، وهي التي لاحظها علماء الفنّ فيما أُثر منهم: «مناسبة الحكم والموضوع». وهذا كقولنا: «العلماء باقون ما بقي الدهر» حيث كانت خاصيّة صفة العلم وآثاره البنّاءة، هي التي تستدعي الخلود للعلماء.
ومن ثمّ قد يستشم نوعية المخبر به من نفس عنوان المخبر عنه، قبل أن ينطق بالمخبر به، كما في قول الشاعر:
|
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا |
بيتا دعائمه أعزّ وأرفع |
|
فقد لمسنا عظمة المخبر به ورفعة شأنه من عنوان «سامك السماء» الذي جاء في الموضوع.
وعليه فعنوان «الراسخون في العلم» بنفسه يستدعي أن يكون المنسوب إليهم من جنس مايتناسب والمعرفة الكاملة، أمّا الإيمان الأعمى فلا مناسبة بينه وبين الرسوخ في العلم.
وعليه فرعاية هذه المناسبة هي التي تستدعي وجوب التشريك، ليكون الراسخون في العلم- أيضا- عالمين بتأويل المتشابهات.
واعتُرض بأنّ مقتضى التشريك هو تساوي العلماء مع اللّه ولو في هذه الجهة الخاصّة، وقد قال تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».
واجيب بأنّ شرف العلم هو الذي رفعهم إلى هذه المنزلة المنيعة، كما في آية اخرى:
«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ».[١]
واعتراض آخر: ماذا تكون موقعية قوله: «يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ...» إذا ما اعتبرنا «وَ الرَّاسِخُونَ» عطفا على «إِلَّا اللَّهُ»؟
والجواب: أنّها جملة حالية موضعها النصب حالًا توضيحيا من الراسخين. قال الزمخشري: «ويقولون، كلام مستأنف موضح لحال الراسخين»[٢] ومقصوده من الاستئناف نفي رابطة الإسناد الخبري بينه وبين الراسخين. وهكذا صرّح ابنقتيبة في تأويل مشكل
[١] - آلعمران ١٨: ٣.
[٢] - الكشاف، ج ١، ص ٣٣٨.