التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - هل في آيات الحبط عموم؟
وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا، وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ».[١]
فإذا أرجعنا الإشارة في قوله: «أُولئِكَ» إلى خصوص الفئة الثانية، كانت الآية- في بدء النظر- دالّة على اختصاص توفية المثوبات بهم، وأن لاحظّ للفئة الاولى فيما اكتسبوه من الحسنات. والآية- بظاهرها- عامّة تشمل ما إذا كان من الفئة الاولى مؤمنون معتقدون باللّه ومصدّقون برسالة نبيّنا صلى الله عليه و آله!
قلنا: هذه الاستفادة من الآية خاطئة، لأنّها نزلت تعريضا بشأن المشركين كانوا إذا وقفوا بالموقف ذكروا آباءهم ونوّهوا بأمجاد جاهلية تفاخرا على بعضهم وإذا سألوا اللّه شيئا لم يتجاوزوا مطاليب سافلة إبلًا وغنما ورقيقا وظفرا على أعداء ولايسألونه الجنّة والمغفرة والرضوان، حيث فقد العقيدة بالبعث والنشور «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ».[٢] ومن ثمّ ذكر تعالى: «وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ».
ولا شكّ أنّ الذي لاخلاق له في الآخرة هو الكافر المحض- حسبما تقدّم- «وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً».[٣] أمّا الفئة الاخرى- وهم المؤمنون بيوم المعاد- فيسألون اللّه تعالى خير الدنيا والآخرة والمغفرة والنجاة من النار، فهؤلاء لهم نصيب في الآخرة: «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ، وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ».[٤]
قال ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللّهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لايذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل اللّه فيهم:
«فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ». ويجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ». فأنزل اللّه فيهم «أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ».
و عن مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا فعل آباءهم في الجاهلية
[١] - البقرة ٢٠٠: ٢- ٢٠٢.
[٢] - المؤمنون ٣٧: ٢٣.
[٣] - الفرقان ٢٣: ٢٥.
[٤] - آلعمران ١٧١: ٣.