التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - مسألة الأمر بين الأمرين
واستقلالهم في الإرادة والاقتدار.
واختارت الإمامية- في ضوء تعاليم أئمّة الهدى- مذهبا وسطا في مسألة القدرة والاستطاعة. فلم يعترفوا للعبد استقلاله الكامل في الخلق والإيجاد، ولم ينفوا عنه القدرة والاختيار رأسا، قالوا: لا شكّ أنّ كلّ ما في الوجود واقع تحت إرادته تعالى، فلايحدث أمر ولايوجد شيء إلّا بإذن اللّه، لكن إرادته تعالى قد تعلّقت بأن توجد الأشياء وفق قوانين كلّية ركّبها في طبيعة الموجودات، فهي تتفاعل مع بعضها، إمّا بنفسها كما في الأُمور الطبيعية- حسب تعبيرنا- مثل دورة الماء في الطبيعة، تبخيرا وتكاثفا وتقاطرا وخزنا ثمّ جريا وأخيرا عودا إلى البحر. وفق نظام رتيب لايتخلّف عبر الدهور، وإمّا بعلاج كيمياوي أو فيزيائي تزاولها يد بشرية حسب مآربه في الحياة.
كلّ ذلك واقع تحت قوانين عامّة في سلسلة من العلل والمعلولات «قانون العلّيّة العامّة».
مثلًا إذا بذر الإنسان حبّة في الأرض الصالحة، واهتمّ بشأنها من تسميد وسقي ودفع آفات، فإنّها تنبت، لكن بفضل تفاعلها مع أملاح الأرض وغيرها من مواد كامنة في التراب والماء ومايصل إليها من شعاع الشمس وهبوب الرياح وما إلى ذلك، فإذا ما اجتمعت الأسباب المؤاتية لنبات الزرع ونمائه، حصل الزارع على نتيجة، لم تكن هي وليدة يده فحسب، وإنّما ساعده على ذلك عوامل طبيعية كثيرة لاتحصى، كان لها القسط الأوفر، بل علّة العلل لهذا الإثمار والإنتاج.
ومع ذلك فإنّا ننسب الزرع إليه، فنقول: هو الذي بذر الحبّة وزرع النبتة وغرس الشجرة وأثمرها، ونطلق عليه اسم الزارع والفلّاح إطلاقا حقيقيا، من غير عناية مجاز أو استعارة. في حين أنّا لو دقّقنا النظر لوجدنا الفضل الأكبر بل كلّ الفضل يعود إلى عوامل اخر كانت هي المؤثّرة لهذا الأثر والمنتجة لهذه النتيجة.
وعليه فبما أنّ هذه العوامل- التي نعبّر عنها بعوامل طبيعية- ليست سوى قوانين كلّية ركّبها اللّه في ذوات الأشياء، فإذا ماتفاعلت مع بعضها أنتجت تلكم النتائج العظام، فهي في