التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٥ - مسألة الحبط والتكفير
استحقّ مدحا على عمل استحقّ ثوابا عليه، وكذا الذمّ والعقاب. أمّا قياس دوام أحدهما على دوام الآخر فلا موضع له، بعد أن كانت مرحلة الاستحقاق بمعزل عن مرحلة الفعلية والوقوع. لأنّ معنى دوام الاستحقاق، هو جواز مذمّة العاصي في أيّ وقت من الأوقات، ولا يختصّ ذلك بالآن المباشر لظرف عصيانه. الأمر الذي لايعني الاستدامة في مذمّته ليل نهار على مرّ الدهور.
وهكذا العقاب، يستحقّه العاصي في أيّ وقت من الأوقات، فمتى ما أراد المولى عقابه صحّ ذلك منه. وهذا لايعني جواز الإدامة من عقابه على مرّ الزمان مع الأبدية. لأنّ ذلك عقاب فوق استحقاقه وظلم يتحاشاه عدله تعالى وحكمته المطلقة.
أمّا اختصاص تفضّله تعالى بالصغار القصّر فلم نعرف له وجها، ولا هم أقاموا على إثباته برهانا. فضلًا عن مخالفته الصريحة لنصّ الكتاب والسنّة المتواترة، فإنّ فضله تعالى عظيم[١] ورحمته واسعة[٢] وقد وعد بغفران الذنوب جميعا.[٣]
الثالثة: هل المغفرة خاصّة بالتائبين أم هي عامّة؟
زعمت المعتزلة اختصاصها بمن يموت عن توبة وندم واستغفار.
لكن في نصوص الكتاب والسنّة صراحة في عمومها لمن مات عن إيمان فإن كان تائبا فيموت مغفورا له كمن لا ذنب له، وغيره يموت مرجوّا لأمره تعالى إمّا يعذّبه على قدر استحقاقه ثمّ يغفر له، أو يتفضّل عليه بالغفران من أوّل مرّة بلا تعذيب. وإنّ في كثير من العبادات الواجبة، والأعمال الصالحة، لمطهرة للذنوب حتّى الكبائر، فضلًا عن الصغائر، فإنّها مغفورة بذاتها على شرط اجتناب الكبائر.[٤]
[١] -« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ». الأنفال ٢٩: ٨.
[٢] -« قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ». الأعراف ١٥٦: ٧.
[٣] -« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». الزمر ٥٣: ٣٩.
[٤] - راجع: بحار الأنوار، ج ٨، ص ٣٥١، باب ٢٧ من كتاب العدل والمعاد.
ولنا بحث مستوفى عن الصغائر، وأن لاصغيرة ذاتا وإنّما هي نسبيّة. واللّمم في الآية النجم ٣٢: ٥٣ يراد به الذنب يرتكبه المؤمن عفوا ومن غير قصدٍ لعصيان، ومن غير أن يكون مصرّا عليه، لكنّه فرط منه فرطا فيتذكّر لفوره ويتوب إلى اللّه.« إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ». الأعراف ٢٠١: ٧.« وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ. وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ». آل عمران ١٣٥: ٣.