التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٦ - مسألة الهداية والتوفيق
عليها «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى».[١] «وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى».[٢] الأمر الذي نشاهده- بوضوح- في نظام هذا الكون. كلّ يسعى إلى كماله في الوجود، واستجلاب المنافع ودفع المضارّ، دار تنازع في البقاء. «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».[٣] وهو النظام الكوني السائد على المخلوق كلّه، سنة اللّه التي جرت في الخلق، «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا».[٤]
الثانية: ركَّب تعالى في هذا الإنسان قدرة تفكيرية جبّارة (العقل) بها يستطيع التغلّب على قوى الأرض والسماء وتسخيرها في سبيل منافعه، كما استخدم ما أمكنه من حيوان ونبات وجماد، وسائر ما في الوجود من قوى وطاقات، في سبيل تحضّره والصعود على مدارج الترقّي والكمال المدني، ولايزال.
وبهذه المقدرة العقلية يستطيع تمييز الخير عن الشرّ والحقّ عن الباطل، كما ميّز بين المنافع والمضارّ والصلاح والفساد، نعم إذا لم يغلبه هواه ولم يستسلم لقيادة النفس الأمّارة بالسوء!
قال تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ».[٥] «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها».[٦] ومن ثمّ جاء في روايات أهل البيت عليهمالسلامأنّ العقل رسول باطني، وإنّما جاء الأنبياء إلى البشرية ليثيروا لهم دفائن العقول،[٧] وهو حجّة اللّه ودليله المتركّب في صميم الإنسان ولولاه لم ينفع هدى رسول ولا إرشاد نبيّ.
روى ثقة الإسلام الكليني عن هشام بنالحكم، قال له الإمام موسى بنجعفر عليه السلام: «يا هشام، إنّ اللّه تبارك وتعالى أكمل للنّاس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة- إلى أن قال-: يا هشام، إنّ للّه على الناس حجّتين، حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهمالسلام وأمّا الباطنة فالعقول».[٨]
[١] - طه ٥٠: ٢٠.
[٢] - الأعلى ٣: ٨٧.
[٣] - الأنبياء ٣٣: ٢١.
[٤] - فاطر ٤٣: ٣٥.
[٥] - البلد ٨: ٩٠- ١٠.
[٦] - الشمس ٧: ٩١- ١٠.
[٧] - نهج البلاغة، خطبة ١.
[٨] - الكافي، ج ١، ص ١٣- ١٦.