التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - الاستهزاء والخديعة
وزخارفها، فإذا ماوجدوها خاصّة بالكافرين لهبّ أكثرهم إلى الكفر ونسوا الآخرة.
والآيات من هذا القبيل في القرآن كثيرة، ذكرنا منها نماذج عن البقية وهي في مجموعها لا تتجاوز المائة آية.
الاستهزاء والخديعة
جاء في القرآن تعابير: «الاستهزاء» و «السخرية» و «الخديعة» و «المكر» و «الكيد».
وإنّما هي أفعال تنمّ عن قبح وسفاهة لايرتكبها الحكيم، ومن ثمّ لمّا قال بنوا إسرائيل:
«أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً» قال موسى- مستنكرا لهذه النسبة-: «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ».[١]
وقد تأوّل العلماء لذلك تأويلات لطيفة وتخريجات أدبية بديعة! قال الإمام جار اللّه الزمخشري: والخدع، أن يوهّم صاحبه خلاف مايريد به من المكروه. الأمر الذي لايصحّ من اللّه ولا من المؤمنين. لأنّ العالم الذي لاتخفى عليه خافية لاينخدع. والحكيم الذي لايفعل القبيح لايخدع غيره. والمؤمنون وإن جاز أن ينخدعوا لم يجز أن يخدعوا، ألاترى إلى قول الشاعر:
|
واستمطروا من قريش كلّ منخدع |
إنّ الكريم إذا خادعته انخدعا |
|
فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع!
ثمّ أخذ في تأويل قوله تعالى: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ».[٢] وذكر وجوها، منها: أن يقال: كانت صورة صنعهم مع اللّه حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين. وصورة صنع اللّه معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع. وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر اللّه فيهم فأجروا أحكامهم عليهم.[٣]
[١] - البقرة ٦٧: ٢.
[٢] - البقرة ٩: ٢.
[٣] - الكشّاف، ج ١، ص ٥٦- ٥٧.