التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥١ - مسألة التوحيد في الأفعال
لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً».[١] وأمثالهما من الآيات وهي كثيرة جدّا.
والمشاءة فيها هي التكوينية، أي لو أراد ربّك أن يجعل الناس كلّهم مؤمنين بإرادته التكوينية لفعل، ولما تخلّفت إرادته عن المراد، كما في قوله تعالى: «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ».[٢]
لكنّه تعالى لم يشأ الإيمان إلّا عن اختيارهم لغرض الاختبار، حيث لاتمييز مع الإلجاء.
وبذلك يرتفع إيهام التناقض بين أمثال هذه الآيات، وآيات اخر جاء فيها: أنّه تعالى هدى النّاس جميعا، ولا يرى لعباده الكفر، حيث هذه الطائفة من الآيات تعني مشيئته تعالى التشريعية، أمرا ونهيا، بعثا وزجرا، في هداية شاملة وإرشاد عام. قال تعالى:
«إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً».[٣] وقال: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى».[٤] وقال: «وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ».[٥] وسنبحث عن أنحاء الهداية ودرجاتها في فصل قادم.
مسألة التوحيد في الأفعال
التوحيد الكامل هو الاعتقاد بأنّه تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله. ثلاث مسائل تبحث عن توحيده تعالى، الاولى: توحيد الذات «ليس متركّبا من أجزاء». الثانية: توحيد الصفات «إنّ صفاته الثبوتية جُمَع لاتنمّ عن تعدّد معان قائمة بذاته المقدّسة، بل كمال توحيده نفي الصفات عنه، ولا شيء هناك سوى ذاته القديمة انتزعت لها تلك النعوت». الثالثة:
توحيد الأفعال «لاشريك له في الخلق والإيجاد».
وهذه المسألة الأخيرة هي موضوع بحثنا الآن: إذا كان العبد مستقلًا في أفعاله، وكان هو الذي يوجدها ويحدثها وفق مايريد، إن شاء فعل وإن شاء ترك- كما عليه مذهب أهل
[١] - يونس ٩٩: ١٠.
[٢] - فصّلت ١١: ٤١.
[٣] - الإنسان ٣: ٧٦.
[٤] - فصّلت ١٧: ٤١.
[٥] - الأحزاب ٤: ٣٣.