التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٣ - فرضية الإحباط في خطوات
طول العمر كما في الأنبياء والأئمّة المعصومين! وهل من العدل والحكمة أن يشترط المولى الكريم، على عباده- الذين خلقهم على درجات من ضعف وعجز تجاه نزعات ومشتهيات نفسية وغيرها من مغريات- أن لايرتكبوا ذنبا طول حياتهم كي يفوزوا بثواب ما يعملون من الصالحات؟! وهل هذا ممكن؟! وهل يمكن لأحد أن يتخرّج من الإيفاء بهذا الشرط بسلام؟!
ثالثا: منافاته لعموم الكتاب والسنّة وإطلاقهما من غير ما مخصّص أو مقيّد. قال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ». وهذا عام يشمل الأعمال الحسنة التي قام بها مرتكب السيّئة المتأخّرة أيضا.
وهكذا قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً».[١] والعقل يرى- في بدء نظره- من الظلم أن تمحق سيّئة واحدة لاحقة حسنات تقدّمتها، واللّه لايظلم من حسنات العباد حتّى مثقال ذرّة منها، فكيف بالحسنات الجسام؟ بل ومن فضله ولطفه بعباده أن يضاعف حسناتهم على الإطلاق، سواء أكانت سابقة على السيّئة أم لاحقة. هذا مايفيده إطلاق الآية ولا مقيّد لها على ما سنذكر.
رابعا: منافاته لقانون التعادل بين الذنب والعقاب، وقد قال تعالى: «وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ».[٢] وقال: «وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها».[٣] وقال: «مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها».[٤] وقال: «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها».[٥]
فإذا كان اللّه- وهو العدل الحكيم- يقول: جزاء سيّئة سيّئة مثلها، فما الموجب للقول بأنّ سيّئة واحدة مهما كان قدرها تمحق حسنات جساما كانت سبقتها؟! وهل هذا إلّا ظلم وجور وحيف، وإضاعة صريحة لمثوبات أعمال صالحة كانت خالصة للّه وحده لاشريك له. تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
[١] - النساء ٤٠: ٤.
[٢] - الأنعام ١٦٠: ٦.
[٣] - يونس ٢٧: ١٠.
[٤] - غافر ٤٠: ٤٠.
[٥] - الشورى ٤٠: ٤٢.