التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٤ - الختم والطبع
الإغفال المذكور. وفي الحقيقة إخبار عن غفلة مسبّبة عن جهل وعناد.
٢٥- وقال تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ»[١] نظيرة آية الحج المتقدّمة.
٢٦- وقال: «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها».[٢] دليل على أنّ هذا العماء من فعل أنفسهم واختيارهم بالذات. والآيات جاء فيها التعبير بالعمى مرادا به عمى القلوب كثيرة:
(المائدة: ٧١). (فصّلت: ١٧ و ٤٤). (النمل: ٦٦). (الأعراف: ٦٤). (الإسراء: ٧٢). (فاطر:
١٩). (البقرة: ١٨ و ١٧١). (يونس: ٤٣). (النمل: ٨١). (الروم: ٥٣). (الزخرف: ٤٠) وغيرهنّ من آيات.
٢٧- قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ»[٣] أي لهم ميل في الانحراف، كأنّهم جبلوا على معاكسة الفطرة، بسبب ما ألفوه من الفساد وارتكاب الشرور. إذ ما أسرع ما تنقلب طبيعة الإنسان عن فطرته الأُولى إلى طبيعة ثانية، إذا ما استرسل بنفسه في أجواء مظلمة وانهمك في الإجرام والفساد في الأرض. فيصبح وهو متخلّق بأخلاق ربّما كانت غريبة عن خلقه الأصيل الذي فطره اللّه عليه.
ويعبّر عن هذا الانحراف الخلقي بمرض القلب، تشبيها للانحراف الروحي بالانحرافات الجسمانية، كما تقدّم.
٢٨- «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ»[٤] أي فلمّا أخذت نفوسهم في الانحراف عن جادة الهدى والصلاح، وكان ذلك على أثر لجاجهم مع الحقّ وصمودهم على رفض الدعوة، خذلهم اللّه وتركهم في ظلمات غيّهم يعمهون، إذ لم يك ينفعهم نصح الناصحين.
٢٩- وعلى هذا النمط جاء قوله تعالى: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً»[٥] وهكذا الآيات التالية.
٣٠- «فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ»[٦] أي ذوي مرض روحي الّذي هو تعبير عن ذلك الانحراف الخلقي، المعاكس مع متّجه الإنسانية الكريمة.
[١] - الأعراف ٦٤: ٧.
[٢] - الأنعام ١٠٤: ٦.
[٣] - آلعمران ٧: ٣.
[٤] - الصفّ ٥: ٦١.
[٥] - البقرة ١٠: ٢.
[٦] - المائدة ٥٢: ٥.