التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢ - لماذا في القرآن متشابه؟
التفكير، فيبقى القرآن كلّه محكما مع الأبد بسلام.[١]
وهكذا قال الشيخ محمد عبده: «إنّ الأنبياء بعثوا إلى جميع أصناف النّاس من دان وشريف، وعالم وجاهل، وذكي وبليد. وكان من المعاني ما لايمكن التعبير عنه بعبارة يفهمها كلّ أحد، ففيها من المعاني العالية، والحكم الدقيقة مايفهمه الخاصّة، ولو بطريق الكناية والتعريض، ويؤمر العامّة بتفويض الأمر فيه إلى اللّه، والوقوف عند حدّ المحكم، فيكون لكلّ نصيبه على قدر استعداده».[٢]
*** وهناك عامل آخر كان ذا أثر بيّن في إيجاد التشابه في غالبية الآيات الكريمة، إذ لم تكن متشابهة من ذي قبل، وإنّما حدث التشابه فيها على أثر ظهور مذاهب جَدَلية، بعد انقضاء القرن الأوّل الذي مضى بسلام، إذ كانت العرب أوّل عهدها بنزول القرآن تستذوقه بمذاويقها البدائية الساذجة، حلوا بديعا سهلًا بليغا. أمّا وبعد ما احتبكت وشائج الجدل بين أرباب المذاهب الكلامية، منذ مطلع القرن الثاني، فقد راج التشبّث بظواهر آيات تحريفا بمواضع الكلم، ومن ثمّ غمّها نوع من الإبهام والغموض الاصطناعيّين، وأخذت كلّ طائفة تتشبّث بما يروقها من آيات، لغرض تأويلها إلى ما تدعم به طريقتها في اختيار المذهب!.
ولا ريب أنّ القرآن حمّال ذو وجوه- كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام- لأنّه كما ذكرنا يعتمد في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه، فأكسبه ذلك خاصية قبول الانعطاف في غالبية آياته الكريمة، ومن ثمّ نهى الإمام عليه السلام عن الاحتجاج بالقرآن تجاه أهل البدع والأهواء، لأنّهم يعمدون إلى تأويله بلا هوادة. قال عليه السلام لابن عباس لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو
[١] - الميزان في تفسير القرآن، ج ٣، ص ٥٨- ٦٢ بتلخيص واختزال.
[٢] - تفسير المنار، ج ٣، ص ١٧٠. وهو ثالث وجوه ذكرها بهذا الصدد.