التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٦ - التكفير بين العموم والخصوص!
قال الإمام: فتعرّضت له وسألته عن صنيعه ذلك؟ فقال: لعلّك جعفربن محمّد! قلت:
بلى. فقال: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك! قلت: وما الذي جهلتُ منه؟ قال: قول اللّه عزّوجلّ: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها».[١] وإنّي لمّا سرقتُ الرغيفين كانتا سيّئتين، ولمّا سرقت الرّمّانتين كانتا سيّئتين، فهذه أربع سيّئات.
فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة منها كانت لي أربعون حسنة وإذا نقصت منها أربعا بقيت ست وثلاثون حسنة!
قال الإمام: قلت له: ثكلتك أُمّك، أنت الجاهل بكتاب اللّه، أما سمعت اللّه عزّوجلّ يقول: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».[٢] إنّك لمّا سرقت الرغيفين والرّمّانتين كانت أربع سيّئات، ولمّا دفعتها إلى غير أصحابها بغير رضاهم كنت أضفت إلى سيّئاتك أربع سيّئات اخر، ولم تَصْفُ لك الأربعون! قال: فجعل يلاحيني[٣] فانصرفتُ وتركته.
قال الإمام: «بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يَضلّون ويُضلّون».[٤]
إذن فلابدّ من تأويل ماورد في الكتاب والسنّة ماظاهره عموم التكفير، إمّا باختصاصه ببعض الذنوب كالصغائر[٥] مثلا، أو بصورة ما إذا حصل من المرتكب ندم على فرط منه، فإذا قام بحسنة كصلاة وصدقة في سبيل اللّه، كان ذلك من موجبات قبول توبته، أمّا وقوع مطلق الحسنات كفّارة لمطلق السيّئات كبيرة وصغيرة، سواء أندم عليها أم لم يندم، كان بانيا على تركها أم مصرّا على فعلها فهذا ممّا لانستطيع الموافقة عليه، مادام مذهبنا يرى العدل والحكمة في أفعاله تعالى.
[١] - الأنعام ١٦٠: ٦.
[٢] - المائدة ٢٧: ٥.
[٣] - لاحاه: شتمه وأبغضه.
[٤] - وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٣٢٧؛ ومعاني الأخبار للصدوق، ص ٢٩- ٣٠؛ والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، ص ٤٤- ٤٦؛ والاحتجاج، ج ٢، ص ١٢٩- ١٣٠.
[٥] - المعبّر عنها- في الآية ٣٢- النجم- باللمم. وهي الخطايا التي ترتكب عفوا ومن غير قصد إلى العصيان. وهي ذنوب مغفول عنها عند الارتكاب، ومن ثَمَّ فهي معفوّ عنها عند اللّه إذا ما اجتنب مقارنة الذنوب العظام ولم يصرّ فاعلها، بل وندم عليها لفوره إذا ماتذكّر! وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في« مسألة الحبط والتكفير» المسألة الثالثة، الهامش الأول.