التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - الفوقية
عائشون في وسط من العالم المادي، فإذا أردنا الإشارة إلى العالم الآخر غير المادي، أشرنا- طبعا- إلى خارج عالمنا هذا، وهذه الإشارة تقع إلى جهة «فوق» لابما أنّه «فوق»، بل باعتبار أنّ كلّ خارج عن هذا العالم المادي- في المحسوس- فوق من كلّ الجهات، حيث الواقف في مركز كرة إذا أراد الإشارة إلى خارجها، لابدّ أن يشير إلى خارج سطح الكرة، الذي هو فوق بالنسبة إليه من كلّ الجهات.
وهكذا بالنسبة إلينا ونحن عائشون على الأرض إذا أردنا الإشارة إلى خارج عالمنا هذا، إشارة بالحسّ، لابدّ أن تقع إشارتنا إلى خارج هذا المحيط، وهو فوق في جميع جوانب هذه الأرض.
وعليه فإذا ما اعتبرنا أنّ تدابير هذا العالم المادي في جميع أرجائه، تنحدر من عالم ماوراء المادة من عند ربّنا العزيز الحكيم، صحّ إطلاق الفوق عليه تعالى، وهكذا التعبير بالنزول من عنده والصعود إليه وما أشبه. لا إرادة التحديد والجهة الماديين، بل الاعتباريين بالنظر إلى مابين العالمين من تباين وفرق، ذاك إلى ذروة العلى والشرف والغنى وهذا إلى حضيض الخسّة والذلّ والافتقار.
قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ».[١] أي ننزّله إلى عالم المادة تنزيلًا بالاعتبار. حتّى إذا مانبت زرع أو استخرج معدن من تحت الأرض أو اصطيد سمك من جوف الماء، قلنا أنّه من بركات اللّه النازل علينا أهل الأرض.
وعلى ضوء هذا البيان يبدو أن لاغموض على وجه الآيات التي تمسّك بها الأشعري وأتباعه، ممّا لا دلالة لها على مقصودهم لو دقّقنا فيها الأنظار.
وإليك الإجابة الوافية على كلّ واحدة من الآيات حسب الأرقام المتقدّمة:
١- أمّا قوله: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»،[٢] فقد تقدّم أنّ العرش هو عرش التدبير كناية، والاستواء هو الاستيلاء التامّ والتمكّن الكامل من الإحاطة بشؤون التدبير.
[١] - الحجر ٢١: ١٥.
[٢] - طه ٥: ٢٠.