التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - الجبرية
الجبرية
هم القائلون بعدم قدرة العباد على فعل مايريدون وترك مايكرهون، إلّا أن يشاء اللّه ذلك «هو خالق كلّ شيء» ويضيفون القدرة على إحداث أفعال العباد، إلى اللّه سبحانه فكلّ عمل خير أو شرّ إذا فعله العبد فإنّما هو من فعله تعالى حقيقة، وأنّ العبد تجاه ما يفعله أو يتركه مسلوب الاختيار، كآلة في يد الفاعل الحقيقي، وهو اللّه، قال تعالى:
«خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ».[١]
والجبرية صنفان: جبرية صريحة، وهي التي لا تثبت للعبد قدرة على عمل إطلاقا، فتحريك اليد للأخذ والإعطاء، وحركتها الارتعاشية عندهم سواء.
ونسب هذا الرأي إلى «الجهم بن صفوان»، قال: «الإنسان لايقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة. وإنّما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنّما يخلق اللّه تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وإنّما تنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، فيقال: أثمرت الشجرة، وطلعت الشمس، وتغيّمت السماء، واهتزّت الأرض، قال: والثواب والعقاب- أيضا- جبر «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ»[٢] كما أنّ التكليف كان جبرا، فالمؤمن إنّما يؤمن لاعن اختياره، والكافر إنّما يكفر لا عن اختياره. قال تعالى: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ».[٣]
ونحن نشكّ في هذه النسبة التي جاءت من قبل خصوم كانوا لايتورّعون الكذب والافتراء في سبيل تفريق شمل المسلمين.
الثانية: جبرية ملتوية، وهي التي أثبتت لقدرة العبد أثرا مّا في الفعل على جهة الكسب لا الإيجاد، لأنّ الموجد لأفعال العباد كلّها هو اللّه تعالى، فقالوا: العبد مكتسب لفعله، وليس بقادر على إيجاده، وهذا القول منسوب إلى «النجّارية» أصحاب «الحسين بنمحمد النجّار» المعتزلي. نُسب إليه أنّه قال: «اللّه خالق أعمال العباد، خيرها وشرّها،
[١] - الصافات ٩٦: ٣٧.
[٢] - الأنبياء ٢٣: ٢١.
[٣] - الأعراف ١٧٩: ٧. راجع: الملل والنحل للشهرستاني، ج ١، ص ٨٦- ٨٧؛ والفرق بين الفرق لابن طاهر، ص ٢١١.