التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
رحيم!!
وذلك بدليل أنّه متى أُريد من الإرسال هو معناه المعهود (البعث للتبشير والإنذار) تعدّى ب- «إلى»: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ».[١] أو ب- «في»: «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا».[٢] أو باللام: «وَ أَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا».[٣] ولم يأت متعدّيا ب- «على». أمّا قوله: «فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً»[٤] أو قوله: «وَ ما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»،[٥] ف- «على» متعلّقة بالوصفالمتأخّر.
أمّا إذا تعدّى الإرسال ب- «على» فإنّه يخرج عن معناه الحقيقي، ويكون بمعنى مطلق التحريك وإثارة الأسباب المؤاتية للشيء، إن طبيعية كانت أم اصطناعية. ولو مجازا وبالعناية. وأكثر استعماله في القرآن حينئذ يكون في مواضع إرادة الشرّ والنقمة المُردية.[٦]
قال تعالى: «وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ».[٧] «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ».[٨] «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ».[٩] «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ».[١٠] «وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ»،[١١] إلى غيرها من آيات.
وهكذا «أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ»[١٢] عقوبة عاجلة وافتهم في هذه الحياة، اصطلحنا عنها بالخذلان، وحرمانهم عن ألطافه تعالى الخاصّة بأهل الإيمان.
ومعنى الآية- على ذلك- أنا خلّينا بين الشياطين وبين الكافرين يضلّونهم ويمنّونهم ويهدونهم إلى سواء الجحيم.[١٣] جزاء متناسبا مع لجاجهم وإصرارهم على منابذة الحق،
[١] - هود ٢٥: ١١.
[٢] - البقرة ١٥١: ٢.
[٣] - النساء ٧٩: ٤.
[٤] - النساء ٨٠: ٤.
[٥] - الإسراء ٥٤: ١٧.
[٦] - امّا قوله:« وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً». الأنعام ٦: ٦. ف-« على» متعلّقة ب-« مِدْراراً».
[٧] - الذاريات ٤١: ٥١.
[٨] - فصّلت ١٦: ٤١.
[٩] - الأعراف ١٦٢: ٧.
[١٠] - سبأ ١٦: ٣٤.
[١١] - الفيل ٣: ١٠٥.
[١٢] - مريم ٨٣: ١٩.
[١٣] - قال القاضي: والمراد عندنا: أنّه تعالى خلّى بينهم وبين الكافرين. مع قدرته على المنع والحيلولة من كلّ وجه فقيل توسّعا: إنّه أرسلهم. كما يقال فيمن يمكنه أن يمنع كلبه من الإقدام على الإضرار بالغير إذا تركه وذاك-: إنّه أرسل كلبه على الناس. وكما يقال- في الملك إذا أمكنه ضبط جنده وكفّهم عن الناس فلم يفعل-: إنّه أرسلهم على الناس. متشابه القرآن للقاضي، ج ٢، ص ٤٨٦- ٤٨٧.