التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - الأشعرية
الشيخ في العقبة. فرجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال[١] وقام في نصرة «الصفاتية» وتاب من القول بالعدل وخلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقى كرسيا ونادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بنفلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ اللّه لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم».[٢]
وأصبح أبوالحسن الأشعري- بعد ذلك- شيخ أهل السنّة والجماعة[٣] وأخذ مذهبه ينتشر في الناس انتشارا بطيئا حتى أوائل القرن الخامس، حيث تدخّلت الحكومة تدخّلًا رسميا لفضّ المنازعات المذهبية، ففي عام ٤٠٨ أصدر الخليفة القادر باللّه العباسي كتابا ضدّ المعتزلة، فأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال، وأنذرهم- إن خالفوا أمره- بحلول النكال والعقوبة. وانتهج السلطان محمود في غزنة نهج الخليفة في بغداد، في صلب المخالفين ونفيهم وحبسهم، وأمر بلعنهم على المنابر. قال ابنالجوزي:
«وصار ذلك سنّة في الإسلام».[٤]
[١] - قال ابنالجوزي في المنتظم، ص ٧١:« إنّ الأشعري ظلّ على مذهب المعتزلة زمانا طويلًا أربعين سنة ثمّ تركه وأتى بمقالة، خبط بها عقائد الناس». راجع: هامش الحضارة الإسلامية لآدم متز، ج ١، ص ٣٧٨.
[٢] - راجع: وفيات الأعيان، برقم ٤٢٩، ج ٣، ص ٢٨٥. وقد خصّ الأشعري من كتابه« مقالات الإسلاميين» فصولًا مشبعة بعرض آراء المعتزلة.
[٣] - هذه السمة وسمه بها أرباب التراجم وأصحاب الحديث من الحشوية، لاسيّما ابنتيمية الحرّاني في كتابيه: المنهاج والموافقة. وتقدّم عن الشهرستاني في الملل والنحل، ج ١، ص ٩٣.
[٤] - المنتظم، ص ١٦٥ ب. قلت: ولعلّ التنكيل بأمثال هؤلاء كانت سنّة قبل ذلك. فهذا عثمان بنسعيد الدارمي يبتهج بمقتل الجعد بندرهم على يد خالد بنعبداللّه القسري. قال: خطب خالد بواسط يوم الأضحى عام ١١٨ فقال: أيّها النّاس، ارجعوا فضحّوا تقبل اللّه منّا ومنكم، فإنّي مضح بالجعد بندرهم. إنّه زعم أنّ اللّه لم يتّخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلّم موسى تكليما، وتعالى عمّا يقول الجعد بندرهم علوّا كبيرا. ثمّ نزل فذبحه.
انظر: الردّ على الجهمية، ص ٤. والجعد هذا كان معتزليا، وهو أوّل من قال بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الذات، وكان يقول بالقدر. نعم كانت له مخاريق فرجع عنها، منها: أنّه جعل في قارورة ترابا وماء فاستحال دودا وهوام، فقال: أنا خلقت هذا لأنّي كنت سبب كونه. فبلغ ذلك الإمام جعفر بنمحمد الصادق عليه السلام فقال: فليقل: كم هو، وكم الذكران منه والإناث، إن كان خلقه. وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع. لسان الميزان لابنحجر، ج ٢، ص ١٠٥؛ والكامل لابنالأثير، ج ٤، ص ٣٣٢؛ والأعلام للزركلي، ج ٢، ص ١١٤؛ والملل والنحل للشهرستاني، ج ١، ص ٨٦؛ والبداية والنهاية، ج ٩، ص ٣٥٠.