التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - فتنة سليمان
ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ ... قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».[١]
في هذه الآيات موضعان للسؤال:
الأوّل: كيف يؤثر مثل سليمان، حبّ الخيل على ذكر ربّه؟
الثاني: كيف يطلب ملكا لاينبغي لأحد من بعده، أليس في هذا الطلب شيء من شائبة البخل؟
والجواب: أوّلًا- أنّ مارووه بشأنه عليه السلام أنّه كان مغرما بحبّ الخيول المسوّمة الجياد فكان يوم عرضها عليه ففاتته فريضة العصر، كلّه باطل وقبيح ينمّ عن وقاحة واضعه وجهله بمنزلة الأنبياء.
والصحيح: أنّه كان يوم استعراض الخيل لغرض انتخاب جيادهن لغرض الجهاد في سبيل اللّه. وكان الوقت وقت عشيّ، فاشتغل سليمان بملاحظتهنّ وفاته تسبيحه المعتاد ذلك الوقت «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا».[٢] «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ».[٣]
وهذا وإن كان اشتغالًا بعبادة عن اخرى، لكن نبيّ اللّه سليمان فرض ذلك على نفسه ذنبا فاستغفر اللّه منه. قوله: «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» قال ذلك اغتماما لما فاته من ورده المعتاد.[٤]
وقوله: «رُدُّوها عَلَيَّ» أي الخيل لعرضها ثانية لغرض التأكّد من سلامتهنّ وصلاحيتهنّ للجهاد.
وثانيا- أنّ المذموم هو الحرص والظنّ بما يخصّ هذه الحياة الدنيا. أمّا ما اريد به وجه اللّه والدار الآخرة فالطمع البالغ فيه غير مذموم. ومن ثمّ نرى نبيّنا الكريم طلب من امّته الصلاة عليه على مرّ الأيّام والدهور. وهل يستغني أحد من رحمة ربّه الواسعة؟! أم
[١] - ص ٣١: ٣٨- ٣٥.
[٢] - مريم ١١: ١٩.
[٣] - آلعمران ٤١: ٣.
[٤] - تنزيه الأنبياء، ص ٩٤.