التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٨ - البداء في معناه الجائز على الله
اختار الإنسان فعله، تعلّقت مشيئته تعالى بالإيجاد، وتغيير اتجاه المسير عمّا كان عليه التقدير الأوّل، الذي كانت تقتضيه طبيعته الأوّليّة.
هذا مع العلم بأنّه تعالى كان يعلم منذ الأزل، أنّ العبد سوف يختار الفعل أولا يختار، لكن لمصلحة في التدبير (أن يكون الإنسان على اختيار تامّ من أمره) أناط الأمر باختيار الإنسان. من غير أن يستدعي ذلك سلب سلطانه تعالى القاهر، الغالب على أمره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فقد كان التقدير الأوّل، جريا مع طبيعة الأشياء وفق استعداداتها وقابليّاتها. من غير أن يستدعي ذلك جبرا في المسير، بعد إمكان تغيير اتجاهه، وفق إذنه تعالى. «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».
نعم كان تغيير المسير منوطا بتصرّف الإنسان الخاصّ. الذي من شأنه أن يعترض المسير ويغيّر من اتجاهه، فإذا تحقّق ذلك، فقد تعلّقت مشيئته تعالى بتغيير الاتجاه.
وهذا إنّما يعني: دوام سلطانه تعالى في تدبير الامور. في حين قدرة الإنسان على تعيين اتجاه مسيره في الحياة. فلم تكن يده تعالى مغلولة. كما زعمت اليهود. «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ». كما لم يكن الإنسان مقهورا في تصرّفه في هذه الحياة، وإنّما كان هو الذي يُعيّن اتجاه مسيره.
إذن كانت العقيدة بمسألة البداء، تجمع بين مبدئين أساسيّين من أُصول العقيدة الإسلاميّة:
أوّلًا: سلطانه تعالى الغالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا رادّ لقضائه، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب.
ثانيا: قدرة الإنسان الفاعلة في تعيين مسيرة الحياة، وضمان حرّيته في الاختيار، لا قهر ولا جبر، وإنّما قلم التقدير بيده، فليسطّر من اتجاه مسيره، إن خيرا وإن شرّا، من صلاح أو فساد. وهذا من حكمته تعالى في التكليف.
ومن ثمّ عُظّم جانب هذه العقيدة العتيدة وعُدّت من أعظم العبادات.