التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - مسألة الاستدراج
٢٤٢- «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ»،[١] أي بمخالفته لنظام الفطرة والشريعة أخذ في التسافل والانحطاط عن منزلة الإنسان الكريمة. ومن ثمّ قال تعالى على جهة الاستثناء: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ»[٢] وأمّا الإسناد إلى اللّه فمن جهة أنّه تعالى أقدره على اختيار السوء والفساد، حسبما تقدّم غير مرّة.
٢٤٣- «لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ».[٣] لايدلّ على الترخيص، وإنّما هو على سبيل اللوم والتوبيخ لهم على التمسّك بما هم عليه من الباطل، الأمر الذي يشفّ عن قدرتهم على الإقلاع والعدول عنه إلى دين محمّد صلى الله عليه و آله.
مسألة الاستدراج
الاستدارج مأخوذ من الدرج وهو المشي في أناة خطوة خطوة، يقال: درج الصبي أي مشى على حيطة وحذر في خطى قصيرة. والامّ تستدرج ولدها: تجعله يمشي كذلك، أي تواكبه في المشي المذكور تدريبا له.
وقد اصطلح استعماله في إمهال العصاة ليزدادوا غيّا وجهالة. كأنّ النعم المتوافرة عليهم تواكبهم في مسيرهم إلى الضلال فيحسبوا أنّهم على هدى وأنّهم يحسنون صنعا.
الأمر الذي يزيد في ضلالهم والابتعاد عن الحقّ فلا ينكفؤون إلى طريق الرشد والصلاح أبدا. ومن ثمّ فسّره أهل اللغة بالخدعة. وهذا التفسير صحيح إلى حدّ ما، إذا مالاحظنا المبدأ القائل: «خذ الغايات ودع المبادئ». فاللّه تبارك وتعالى إنّما يفعل بالكافر المعاند ما يستحقّه من عقوبة عاجلة. وكاد يشبه فعل المخادع الذي يحاول خداع غريمه. والكافر هو الذي ينخدع بوفرة النعمة عليه، لفرط حمقه وجهالته وليس اللّه بالذي حاول خدعه.
والاستدراج هو نوع خذلان استحقّه العاصي المتمرّد، واستوجبه لنفسه على أثر صموده في الغيّ والضلال، فلا تكاد تؤثّر فيه الموعظة إطلاقا، ومن ثمّ يتركه اللّه ونفسه في
[١] - التين ٤: ٩٥- ٥.
[٢] - التين ٦: ٩٥.
[٣] - الكافرون ٦: ١٠٩.