التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - إرادة تكوينية وإرادة تشريعية
زائدة على ذاته المقدّسة، بل اعتبرها عين ذاته تعالى كما في سائر الصفات الذاتية من العلم والقدرة والحياة، ومن ثمّ لايشملهم الحديث.
وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن أمره تعالى ونهيه، بعثا وزجرا للعباد، فيما يعود عليهم من مصالح ومفاسد كامنة وراء التكاليف.
وهذه الإرادة قد تتخلّف عن المراد، حيث يعصي العباد ويخالفون أمره تعالى، ولا محذور في ذلك بعد أن كانت دار التكليف دار اختيار، حيث لا موقع للتكليف لولا اختيار المكلّفين في الإطاعة والعصيان، وأنّ مصلحة التكليف هي الّتي تستدعي اختيار العباد في الامتثال والترك تمهيدا لاختبارهم في هذه الحياة، «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ».[١] «ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ».[٢]
والتفكيك بين الإرادتين شيء معروف في روايات أهل البيت عليهمالسلام منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الإمام علي بنموسيالرضا عليه السلام قال: «إنّ للّه إرادتين ومشيئتين، إرادة حتم، وإرادة عزم».
ثمّ شرح عليه السلام الثانية بقوله: «ينهى وهو يشاء» أي يشاء أن يقع وإن كان نهى عنه- في الظاهر- أن لايقع. فنهيه نهيتشريع، أمّا إشاءته فإشاءة تكوين، وقد مثّلله الإمام عليه السلام بنهي آدم عن أكل الشجرة، وقد كانت المصلحة تستدعي الأكل منها، حيث خلق آدم ليعيش على الأرض ويكون خليفة اللّه فيها. فتخلّفت إرادته التشريعية عن إرادته التكوينية.
ثمّ قال عليه السلام: «ويأمر وهو لايشاء» ومثّل بأمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهماالسلامحيث تخلّف التشريع عن التكوين.[٣]
وعلى هذا الضوء من البيان الوارد عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام نستطيع دفع الشبهة عن كثير من آي القرآن، مثل قوله تعالى: «وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ».[٤] وقوله: «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ
[١] - الأنفال ٣٧: ٨.
[٢] - آلعمران ١٧٩: ٣.
[٣] - راجع: بحار الأنوار، ج ٤، ص ١٣٩؛ ومرآة العقول، ج ٢، ص ١٦١؛ والكافي، ج ١، ص ١٥١، باب المشيئة والإرادة.
[٤] - النحل ٩: ١٦.