التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - دلائل آيات
الامّة، لأنّ اللّه تعالى خصّ هذه الامّة بخصائص لم يشاركهم فيها الأُمم. وقيل: إنّ ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأمّا قوله: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» فمعناه: ليس له إلّا ما سعى، عدلًا. ولي أن أجزيه بواحدة ألفا، فضلًا. (أي أنّ الآية تعني جانب الاستحقاق، الأمر الذي لا يتنافى وجانب فضله تعالى).
وأمّا قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فإنّها شؤون يُبديها، لا شُؤون يبتديها.
فقام عبداللّه وقبّل رأسه وسوّغ خراجه ...[١]
غير أنّ للآيات الثلاث محامل غير ما ذكره الحسين بن الفضل:
١- أمّا ندم قابيل على قتل هابيل، فلا دليل فيه على أنّه ندم ندامة تائب، إذ قد يرتكب المجرم جناية يتورّط فيها فيندم على اتّخاذه طريقة أوقعته في تلك الورطة، وليس ندما على أصل ارتكاب الإثم. كما في حديث قوم هود، «فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ» حينما رأوا نتائج السوء التي ترتّبت على فعلهم الشنيع، ومن ثمّ لم ينفعهم الندم، «فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ».[٢]
وقد أوضحنا- في مباحثنا في الفقه- أنّ الندم بمجرّده، حتى ولو كان على ارتكاب الإثم، لايوجب سقوط الحدّ والعقاب، ما لم يَظْهَر أثرُهُ العملي الكاشف عن رجوع العبد المذنب إلى ساحة مولاه الكريم رجوعا عن عزيمة قاطعة، فإنّ الندم على الذنب هي النقطة الباعثة على التوبة، وليس ذاتها، ما لم يتجسّد في قول وعمل معا.[٣] وليكون عمله هو الذي يدلّ على ندمه. فيصلح ما أفسده بالذنب. قال تعالى: «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ».[٤]
٢- وأمّا آية السعي «لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» فلا نظر فيها إلى تحديد المقدار في
[١] - الكشاف، ج ٤، ص ٤٤٨.
[٢] - الشعراء ١٥٧: ٢٦- ١٥٨.
[٣] - المراد من الندم القولي هو إجراء صيغة الاستغفار عن عزيمة صادقة. والمراد من العمل هو إصلاح ما أفسده.
[٤] - المائدة ٣٩: ٥.