التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - مسألة السعادة والشقاء
على مذهبهم في الجبر، وأنّ السعيد من كتبت له السعادة فلا يستطيع غيرها. والشقي من كتب له الشقاء فلا يستطيع غيره، ومن ثمّ أخبر سبحانه بأنّ من يدخل الجنّة هم السعداء، وأنّ من يدخل النار هم الأشقياء!
قال مفسّرهم وإمامهم المتفلسف الفخر الرازي- بشأن دلالة الآية-: إعلم أنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد، وعلى بعضهم بأنّه شقي. ومن حكم اللّه عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر، امتنع كونه بخلافه. وإلّا لزم أن يصير خبر اللّه تعالى كذبا وعلمه جهلًا، وذلك محال. فثبت أنّ السعيد لاينقلب شقيا. وأنّ الشقي لاينقلب سعيدا.
قال: وتقرير هذا الدليل مرّ في هذا الكتاب (يعني التفسير الكبير) مرارا لاتحصى.
قال: وروي عن عمر بنالخطاب أنّه قال: لمّا نزل قوله تعالى «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ» قلت: يا رسولاللّه، فعلى ماذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟
فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجفّت به الأقلام، وجرت به الأقدار، ولكن كلّ ميسّر لما خلق له».[١]
ثمّ قال: وقالت المعتزلة: «نقل عن الحسن أنّه قال: فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله».
وأجاب بأنّ الدليل القاطع (الذي أقامه- فيما زعم- على إثبات الجبر) لايدفع بهذه الروايات!
وقال- أخيرا-: وأيضا فلا نزاع أنّه إنّما شقى بعمله، وإنّما سعد بعمله، ولكن لمّا كان ذلك العمل حاصلًا بقضاء اللّه وقدره، كان الدليل الذي ذكرناه باقيا.[٢]
قلت: أمّا الرواية التي رووها عن ابنالخطّاب فلا نعتمدها نحن بالذات أوّلًا- لضعف الإسناد، لأنّ في طريقها سليمان بنسفيان عن عبداللّه بندينار. وقد ضعّفه أئمّة النقد والتمحيص.[٣]
[١] - هذه الرواية رواها جميع أرباب التفسير وغيرهم من محدّثي العامّة. انظر: جامع البيان، ج ١٢، ص ٧٠.
[٢] - التفسير الكبير، ج ١٨، ص ٦١.
[٣] - انظر: المغني في الضعفاء للذهبي، ج ١، ص ٢٨٠، برقم ٢٥٩٠.