التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - تصوير إجمالي عن مسألة البداء
وكان موضع البداء من صفاته تعالى الجمال والجلال موضعه الخطير، نظرا لكونه تداوما في الخلق والتدبير «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ»[١] ولا يزال في خلق جديد، فعّال لما يشاء ويحكم مايريد. وهو ردّ قاطع لما زعمت اليهود: أنّ «يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» وقد فرغ من الأمر، فلا تغيير في القضاء ولا تبديل في التقدير، فقد جفّ القلم بما رقم، فلا موضع بعده للدعاء ولا للإنابة والاستغفار. فقد ردّ عليهم سبحانه ولعنهم بما قالوا «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ».[٢] «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٣]
الأمر الذي جعله من أفخم نعتٍ عُظّم اللّه به، وكان وصفه تعالى به من أكبر العبادات، كما في الحديث.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر مافتروا عن الكلام فيه».[٤]
تصوير إجمالي عن مسألة البداء
وقبل أن نخوض البحث، لابدّ من تصوير إجمالي عن هذه المسألة الخطيرة، ليكون القارئ على بصيرة من الأمر وإلى مَ يتّجه البحث؟
البداء، في مفهومه اللغوي هو: نشأة رأي جديد. وهكذا في مفهومه الاصطلاحي بالنسبة إلى غيره تعالى، أمّا بالنسبة إليه تعالى فإنّه مستحيل بعد إحاطة علمه تعالى الأزلي!
فالبداء بالنسبة إليه تعالى هو: ظهور شيء في صفحة الوجود على خلاف تقديره الطبيعي الأوّلي.
إذ كلّ شيء له تقدير في الطبيعة على حساب المقتضيات والاستعدادات الذاتيّة للأشياء. لكنّها موقوفة على شرط هو: عدم عروض الطوارئ، والّتي تُغيّر من اتّجاه مسيرة الوجود. إذ قد تجري الرّياحُ بما لا تشتهي السُّفُن.
[١] - الرحمان ٢٩: ٥٥.
[٢] - المائدة ٦٤: ٥.
[٣] - الرعد ٣٩: ١٣.
[٤] - بحار الأنوار، ج ٤، ص ١٠٨، عن توحيد الصدوق.