التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - الجبرية
تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه وإيجاده، مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار».[١]
انظر إلى هذا التلوّي في التخريج، في حين أنّ مذهبهم في الاستطاعة صراحة في الجبر، وأنّ اللّه تعالى مستقل في إرادته في إيجاد أفعال العباد، ولم يبيّنوا ما إذا كان اللّه مستقلًا في إيجاد أفعال العباد، فما موضع تأثير قدرة العبد وإرادته الخاصّة؟ هذا شيء أعجزهم عن الإجابة الوافية، وجعلهم في مأزق مظلم لايدرون أين وجه المخرج.
وإليك من عبارات «الأشعري» الصريحة في الجبر وسلب قدرة العبد على الاختيار:
قال: «وإنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه عزّوجلّ، وإنّ أحدا لايستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله اللّه، ولا يستغني عن اللّه، ولا يقدر على الخروج من علم اللّه عزّوجلّ، وأن لا خالق إلّا اللّه، وإنّ أعمال العباد مخلوقة للّه مقدّرة، كما قال تعالى: «خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ».
قال: «وإنّ اللّه وفّق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر إليهم وأصلحهم وهداهم وأضلّ الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالآيات- كما زعم أهل الزيغ والطغيان- ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وإنّ اللّه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم».[٢]
وقال- في المقالات-: «وقالوا- أي أهل السنّة-: إنّه لايكون في الأرض من خير أو شرّ إلّا ما شاء اللّه. وأنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه، كما قال عزّوجلّ: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» وكما قال المسلمون: ما شاء اللّه كان، وما لايشاء لايكون. وقالوا: إنّ أحدا لايستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله- أي اللّه- أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم اللّه، أو أن يفعل شيئا علم اللّه أنّه لايفعله».
إلى أن يقول: «ولكنّه أراد أن يكونوا- أي الكافرون- كافرين كما علم، وخذلهم وأضلّهم وطبع على قلوبهم».[٣]
[١] - شرح العقائد النسفية للتفتازاني، ص ٦٥- ٦٦.
[٢] - الإبانة، ص ١٩- ٢٠.
[٣] - مقالات الإسلاميين، ج ١، ص ٣٤٥- ٣٤٦.