التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٤ - حاجة إلى مخلوق!
«كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ».
والجواب: أنّه معلّق على شيء لم يقع، أي لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها، فبما أنّه رأى برهان ربّه فإنّه لم يهمّ بها قطّ. كما في الأثر: لولا عليّ لهلك عمر. ومعناه أنّه لم يهلك عمر لوجود علي.
فالكلام من جهة امرأة العزيز مطلق غير مقيّد، فقد همّت به قطعيا. أمّا من جهة يوسف فلولا أنّه من عباد اللّه المخلصين، وكان نور الإيمان مشعّا من قلبه المبارك، لكان أيضا همّ بها، لأنّه شابّ وله من شهوة الرجال مالهم، ولا سيّما وهي تُقبل عليه بذلك الإقبال العارم، فكانت مقتضيات الهمّ موجودة فيه عليه السلام لولا قوّة المانع في وجوده، وهو إيمانه الراسخ المسيطر على جميع مشاعره وأحاسيسه، فلم تكن لتطغى عليه شهوته وهو عبد خالص للّه. وقد شهدت زليخا بشأنه العصمة، قالت: «وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ».[١] فضلًا عن شهادة اللّه بحقّه: «وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ».[٢]
وهذا هو البرهان الذي رآه، أي إيمانه الراسخ الذي تجلّى له حينذاك بالخصوص فحال سدّا منيعا دون أن يهمّ بالمعصية أصلًا.
حاجة إلى مخلوق!
قالوا- في قوله تعالى: «وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ»[٣]-: إنّ الشيطان أنسى يوسف ذكر ربّه فتوسّل إلى مخلوق لخلاص نفسه!
لكن الضمير يرجع إلى الموصول «الذي ظن أنّه ناج».[٤] وأمّا عمل يوسف عليه السلام فكان وفقا لوظيفة شرعية: السعي وراء خلاص مؤمن ورفع التهم عنه. غير أنّ لأولياء اللّه شأنا
[١] - يوسف ٣٢: ١٢.
[٢] - يوسف ٢٣: ١٢.
[٣] - يوسف ٤٢: ١٢.
[٤] - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ١١، ص ١٩٩.