التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - عرض آيات الهداية والضلال(التي وقعت موضع تشابه)
يدلّ على ذلك نفس التعليل الوارد في الآية «وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ» أي لم يشأ الإلجاء على الإيمان لغرض الاختبار. ولذلك عقّبها بالأمر- وهي إرادة تشريعية- بالاستباق إلى الخيرات.
٤٢- «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ».[١]
قالت الأشاعرة: تدلّ الآية على أنّه تعالى هو خلق من عبد الطاغوت وجعله كذلك.
والجواب: أنّ ذلك عقوبة على كفرهم ولجاجهم مع الحقّ، ومداومتهم على الدسائس الفتّاكة، فخذلهم اللّه وأخزاهم وسلبهمالشعور بموقفهم الإنساني الكريم، فذلّوا وابتذلت شخصيّتهم المنحطّة، وإذا هم امّة منفورة فاقدة لحقوقها الاممية، داخلة في طاعة امم اخرى، متحمّلة نير المذلّة عبر الحياة. الأمر الذي هو من أشدّ العقوبات التي أصابت اليهود طول التاريخ ولايزال. إنّهم اليوم أصبحوا آلة صمّاء في يد طواغيت الأرض يعبثون بهم كيف شاءت أهواؤهم الخبيثة في العيث والفساد.
هذا هو تفسير «عبد الطاغوت» بشأن اليهود العنود. وهي معجزة قرآنية خالدة.
٤٣- «وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً».[٢] قالوا: إنّها تدلّ على أنّ القرآن يبعث على كفر كثير من المكلّفين.
والجواب: أنّ المعنى: أنّهم يزدادون كفرا وطغيانا غيظا وحسدا، عندما يرون من رواج هذا الدين وازدهار شريعة سيّد المرسلين «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً».[٣] «وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ».[٤]
٤٤- «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها».[٥] وقد مرّ نظيرها، وأنّها كناية عن القسوة والجفاء الذي مرّنوا
[١] - المائدة ٦٠: ٥.
[٢] - المائدة ٦٤: ٥.
[٣] - الإسراء ٨٢: ١٧.
[٤] - آلعمران ١١٩: ٣.
[٥] - الأنعام ٢٥: ٦.