التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٩ - عيسىبن مريم
هذا هو الذي أخذه اللّه عليه وحسبه ترك أولى منه لم يكن ينبغي صدوره من مثله وهو نبيّ كريم.
وهذا معنى قوله تعالى: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» أي كان على يقين من أنّ ذلك من وظيفته الخاصّة فلا نؤاخذه عليها ولا نتضايق بشأنه من أجلها.
لكنّه لمّا علم بخطأ ظنّه وأنّه قد ترك الأولى بشأنه اغتمّ اغتماما بالغا وأخذ في الاستغفار والضراعة إلى اللّه تعالى أن يغفر له تلك البادرة التي فرطت منه.
قال تعالى- مناصحا لنبيّه أن لايستعجل في مغادرة قومه من مكة-: «وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ (حيث استعجل الخروج) إِذْ نادى ربه وَ هُوَ مَكْظُومٌ» مختنق من الغمّ على أثر بادرته تلك.[١]
وعليه فلم يكن هناك عصيان ولامخالفة أمر صريح ولا إساءة ظنّ باللّه العظيم!.
عيسىبن مريم
قال تعالى: «وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ».[٢]
كيف يجوز توجيه هكذا سؤال إلى مثل عيسى، وهو كلمة اللّه وروحه، أكان يصحّ توجيه هكذا سؤال إلى من لايحتمل بشأنه ذلك؟!
الجواب: أنّه من باب «إيّاكَ أعني واسمعي ياجارة» تقريعا بالمنتحلين إليه كذبا، واستنكارا لعقيدتهم بالتثليث، هم ابتدعوه ما أنزل اللّه به من سلطان ولا كان المسيح أمرهم به.[٣] فليس سوى تعريض صريح بموقفهم الفاسد المنهار، الذي لا أساس له في شريعة الأنبياء إطلاقا.
[١] - القلم ٤٨: ٦٨. راجع: مجمع البيان، ج ١٠، ص ٣٤١.
[٢] - المائدة ١١٦: ٥.
[٣] - كانت في عهد نزول القرآن فرقة من النصارى تسمّى بالبربرانية، كانت تعتقد أُلوهيّة القدّيسة مريم وابنها المسيح عليهماالسلام. راجع: الفصل في الملل والنحل، ج ١، ص ٤٨.