التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٩ - حل شبهات المجبرة
٢٢- والإجماع على أنّه لاخالق إلّا اللّه، كالآيات المتقدّمة، ينفي استقلال غيره في الإحداث والإيجاد، أمّا إيجاد شرط الشيء لتتفاعل القوى الطبيعية مع بعضها تماسكا وتجاذبا، وفق سنّة اللّه التي جرت في الخلق، فهذا شيء لاينفيه الإجماع المذكور ولا الآيات السابقة. وقد تقدّم الكلام في ذلك. وإطلاق الخلق على هذا النمط من الإحداث والصنع ليس شيئا ينكر، قال تعالى- خطابا مع عيسى عليه السلام: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ»[١] أي تصنع. فأسند الخلق إلى عيسى ذاته. وقال تعالى: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ».[٢] «أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ».[٣] أي أحسن الصانعين، حيث استقلاله واستغناؤه في الصنع والإحداث، وافتقار غيره من الصنّاع إلى فعل القوى التي أودعها اللّه في جبلّة الأشياء.
٢٣- أمّا عدم اجتماع قدرتين على مقدور واحد، فإن اريد قدرتان مستقلّتان على إيجاد الشيء خارجا، فحقّ، ولا كلام لنا في ذلك. إنّما الكلام في قدرتين إحداهما على إيداع القوى في طبيعة الأشياء والإفاضة عليها في خطّ البقاء. والثانية على إيجاد شرط التفاعل بين هذه القوى. كما في مثال الإحراق والاحتراق بالنار وهذا شيء بديهي لاغبار عليه.
٢٤- وأمّا التشريك في الخلق فإنّما يلزم لو قيل بتأثير قدرتين مستقلّتين كلّ على مقدور غير مقدور الاخرى، كما ذهب إليه الثنوية. أمّا لو كانت هناك قدرتان إحداهما في طول الاخرى وفي امتدادها- وفق سنّة اللّه التي جرت في الخلق- لحكمة التكليف والاختيار، فلا شرك، بل هو توحيد خالص، كما لايخفى على أُولي النهى.
٢٥- أمّا العلم بتفاصيل المصنوع فواجب لو كانت جميع تلك التفاصيل من صنعه وواقعة تحت اختياره وعن قصده، أمّا لوكانت جملة المصنوع إجماليا واقعة عن قصده، لكن لزمتها بعض الخصوصيات لاعن اختياره، فلا يجب تعلّق علم الصانع بها.
[١] - المائدة ١١٠: ٥.
[٢] - المؤمنون ١٤: ٢٣.
[٣] - الصافات ١٢٥: ٣٧.