التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٧ - خاتم النبيين
يكون قبحه ذاتيّا عند كلّ إنسان، من غير حاجة إلى نهي ودستور!».[١]
هذا، وقد تنبّهنا خلال دراستنا للسورة إلى نكتة ظريفة تنفي احتمال استناد العبوس إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله رأسا. ذلك: أنّ العبوس وكذا التولّي، عمل قصديّ أي يقع كلّ منهما عن قصد وتعمّد وليس يقع عفوا ومن غير قصد. وقد جاءا بصورة غياب، لايُدرى من المعنيّ بهما؟
لكن بعد عدّة آيات نلتقي بقوله تعالى: «وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَ هُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى». وهذا خطاب موجّه إلى النبي بلا شكّ. غير أنّ «التلهي» عمل غير قصدي، لأنّه بمعنى: عدم التوجّه وعدم الالتفات وهُو يُنبىء عن نوع من الذهُول والغفلة غير العمديّة.
وعليه فلا يمكن أن يكون العابس هناك هو المتلهّي هنا. إذ لايصحّ أن يكون عمل واحد عمديّا وغير عمديّ في نفس الوقت، ولا يجتمع متناقضان في فعل واحد!
والذي يعطينا سياق السورة: أنّ هناك كان النبيّ صلى الله عليه و آله منشغلًا- بكلّ اهتمامه- بدعوة أشراف قريش، حريصا على إيمانهم، ومنصرفا بكلّ وجوده إليهم.
وفي هذا الأثناء جاء ابن أُمّ مكتوم مسترشدا مكرّرا طلبه، والنبيّ منشغل عنه بكلّ وجوده فلم يتنبّه له حينذاك، لانصرافه إلى دعوة القرشيّين.
غير أنّ إلحاح السائل وتكرار طلبه- ولعلّه بصوت عال- أضجر بعض الحضور في المجلس فعبس وتولّى، وليس هو النبي صلى الله عليه و آله.
وأمّا معاتبته صلى الله عليه و آله فلعلّها من جهة انشغاله المفرط بحيث يلهيه عمّا يدور حوله، ولعلّه أهمّ ممّا استرعى انتباهه بالذات. واللّه العالم بحقيقة مراده.
*- ومنها قوله تعالى: «وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى».[٢]
هذه الآية ونظائرها الكثيرة في القرآن، تعني جانب انحصار الهداية في اللّه عزّوجلّ، فلا هدي إلّا هديه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ».[٣]
[١] - انظر: الميزان في تفسير القرآن، ج ٢٠، ص ٣٠٨- ٣٠٩.
[٢] - الضحى ٧: ٩٣.
[٣] - الأعراف ٤٣: ٧.