التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٤ - الجهة والمكان
قال تعالى: «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ».[١] هذه الآية من المحكمات، دلّت على أنّه تعالى ليس بجسم. ولا هو محدود بجهة دون اخرى «وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً».[٢]
قال الإمام الرازي- في الآية الاولى-: «الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، لأنّه تعالى خالق الجهات، والخالق متقدّم على المخلوق لامحالة، فقد كان الباريتعالى خلق العالم منزّها عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك. وأيضا، فإنّه لو كان جسما وله وجه جسماني لكان وجهه مختصا بجانب معيّن وجهة معيّنة، فلم يكن يصدق قوله تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».[٣]
هذا مضافا إلى قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[٤] نزهته عن مشابهة المخلوقين، ولاريب أنّ كونه تعالى في جهة يستدعي محدودية، وهو تشبيه بمحدودية المخلوقين، تعالى اللّه عن ذلك.
فهو تعالى ليس بجسم ولا فيه خواص الجسمانيات، التي منها التحيّز والتحديد بجهة دون اخرى. فكلّ ماورد- بظاهره ثبوت الجهة له تعالى- يجب أن يؤوّل وفق سائر المحكمات. وعلى ضوء هذا المقياس نستعرض الآيات التي تمسّك بها أهل التشبيه، مع بيان وجه تخريجها الصحيح:
أمّا قوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى»[٥] فالكلام فيه يتسدعي النظر في جهتين، الاولى: ما هي حقيقة العرش الذي تكرّر ذكره في القرآن في إحدى وعشرين موضعا؟[٦] الثانية: ما مفهوم الاستواء الذي جاء ذكره في القرآن في سبعة مواضع[٧] ممّا يتناسب وشأنه تعالى؟
[١] - البقرة ١١٥: ٢.
[٢] - النساء ١٢٦: ٤.
[٣] - التفسير الكبير، ج ٤، ص ٢١« المسألة الرابعة».
[٤] - الشورى ١١: ٤٢.
[٥] - طه ٥: ٢٠.
[٦] - الأعراف ٥٤: ٧. التوبة ١٢٩: ٩. يونس ٣: ١٠. هود ٧: ١١. الرعد ٢: ١٣. الإسراء ٤٢: ١٧. طه ٥: ٢٠. الأنبياء ٢٢: ٢١. المؤمنون ٨٦: ٢٣ و ١١٦. الفرقان ٥٩: ٢٥. النمل ٢٦: ٢٧. السجدة ٤: ٣٢. الزمر ٧٥: ٣٩. غافر ٧: ٤٠ و ١٥. الزخرف ٨٢: ٤٣. الحديد ٤: ٥٧. الحاقّة ١٧: ٦٩. التكوير ٢٠: ٨١. البروج ١٥: ٨٥.
[٧] - الأعراف ٥٤: ٧. يونس ٣: ١٠. الرعد ٢: ١٣. طه ٥: ٢٠. الفرقان ٥٩: ٢٥. السجدة ٤: ٣٢. الحديد ٤: ٥٧.