التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٠ - مسألة السعادة والشقاء
ثانيا- لمخالفتها لأُصول العدل والحكمة في ذاته تعالى المقدّسة.
ثالثا- وعلى فرض تسليمها فلابدّ من تفسيرها بما لايتنافى مع مذهب العدل. قال الشيخ محمّد عبده: ومعناه- الذي غفل عنه أو جهله الكثيرون على ظهوره-: أنّ اللّه يعلم الغيب، وعلمه بأنّ زيدا يدخل الجنّة أو النّار، ليس معناه أنّه يدخلها بغير عمل يستحقّها به بحسب وعده وحكمته، ولا أنّه لافرق فيما يعمله في الجزاء. وإنّما يعلم اللّه المستقبل كلّه بجميع أجزائه وأطرافه، ومنه عمل العاملين وما يترتّب على كلّ عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه المنزل وكتابته للمقادير. ولا تناقض ولا تعارض بينهما. ونحن لانعلم الغيب، ولكنّ النبيّ صلى الله عليه و آله علّمنا مانعلم به ما سيكون في الجملة، وهو «أنّ الجزاء بالعمل» وأنّ كلّ إنسان ميسّر له ومسهّل عليه ما خلقه اللّه لأجله من سعادة الجنّة وشقاوة النار، وأنّ ما وهبه للإنسان من العزم والإرادة يكون له من التأثير في تربية النفس ما يوجّهها به إلى ما يعتقد أنّ فيه سعادته.[١]
وهذا المعنى الذي تنبّه له الشيخ عبده هو الذي نقله أصحاب الاعتزال عن الحسن وأنكره الرازي الأشعري.
وهكذا تقدّم في روايات أهل بيت العصمة عليهم السلام[٢] مايتوافق ومذهب العدل، تفسيرا لما روي عن النبي صلى الله عليه و آله بهذا الشأن.
ولسيّدنا الطباطبائي ردّ لطيف على تلفيقات الإمام الرازي، على أُصول فلسفية حكيمة، بيّن فيها أوجه المغالطة التي ارتكبها إمام المشككين، فراجع.[٣]
من ذلك قوله- أخيرا-: كان العمل حاصلًا بقضاء اللّه ... الخ. إذ ليس هذا الكلام سوى تكرار لكلامه الأوّل ومصادرة على المطلوب، لأنّا قد بيّنا أن ليس معنى القضاء والقدر سوى علمه تعالى بمقادير الأشياء وإمضاءه الوجود وفقها من غير أن يكون علمه تعالى علّة في التأثير.
[١] - تفسير المنار، ج ١٢، ص ١٥٩.
[٢] - تقدّم برقم ٨٠، التوجيه السابع للآية ٢٤ من سورة الأنفال.
[٣] - الميزان في تفسير القرآن، ج ١١، ص ١٨.