التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٧ - مسألة الحبط والتكفير
قال المحقّق نصيرالدين الطوسي قدس سره في تجريد الاعتقاد: «وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع، لاستحقاقه الثواب بإيمانه، ولقبحه عند العقلاء». قال العلامة ابنالمطهّر الحلّي رحمه الله في شرحه: «الحقّ أنّ عقاب أصحاب الكبائر منقطع، والدليل عليه وجهان: (الأوّل): أنّه يستحقّ الثواب الدائم على إيمانه، لقوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ».[١] والإيمان أعظم أفعال الخير. فإذا استحقّ العقاب بالمعصية فإمّا أن يقدّم الثواب على العقاب، وهو باطل بالإجماع لأنّ الثواب المستحقّ بالإيمان دائم. أو يقدّم العقاب على الثواب- وهو المطلوب- أو يجمع بينهما- وهو محال- (الثاني): يلزم في من عبد اللّه تعالى مدّة عمره ثمّ يعصي بمعصية مع بقاء إيمانه أن يبقى مخلّدا في النار كمن أشرك باللّه مدّة عمره، وذلك محال لقبحه عند العقلاء».[٢]
الرابعة: هل المراد بالإحباط تأثير العمل اللاحق في بطلان العمل السابق بمعنى انقلابه فاسدا من الأوّل، بعد أن كان قد وقع صحيحا؟ أم المراد إبطال أثره في المستقبل من مثوبة وغيرها من آثار كانت مترتّبة عليه لولا الإحباط؟
لاشكّ أن المفروض الأوّل باطل، إذ لا تأثير للمتأخّر في المتقدّم وجودا إلّا إذا كان بمعنى بطلان المتقدّم واقعا، لما في علم اللّه: أنّ شرطه المتأخّر (وهو عدم وجود العمل اللاحق) لايتحقّق في ظرفه. الأمر الذي ليس من الانقلاب الحقيقي، وإنّما هو انكشاف للواقعية التي كانت معلومة عند اللّه وخافية علينا.
مثلًا إذا كانت الموافاة على الإيمان شرطا في صحّة الأعمال، فالمرتدّ الذي يموت على الكفر، فاقد لهذا الشرط في ظرف الواقع، ومن ثمّ فإنّ أعماله جميعا كانت باطلة من يومها الأوّل، وينكشف ذلك لنا عندما يموت على الارتداد.
الخامسة: هل الفاسق مؤمن أم كافر أم وسط بين الأمرين؟
أثبتت المعتزلة للفاسق منزلة بين المنزلتين، لا هو باق على إيمانه ولا هو مرتدّ إلى
[١] - الزلزلة ٧: ٩٩.
[٢] - تجريد الاعتقاد، المسألة الثامنة في انقطاع عذاب أصحاب الكبائر، ص ٢٣٣.