التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - القدرية
الأفعال كلّها للّه تعالى، ولم نر إلّا حسنا، فهو تعالى فاعل فينا ما نحن العاملون. ثمّ مع هذا المشهد العظيم لابدّ من القيام بالأدب، فما كان من حسن- شرعا- أضفناه إليه تعالى خَلقا، وإلينا مَحَلّا. وما كان من سيّء أضفناه إلينا بإضافة اللّه تعالى، فنكون حاكين قول اللّه عزّوجلّ، وحينئذٍ يرينا اللّه وجه الحكمة في ذلك المسمّى سوءا فنراه حسنا من حيث الحكمة، فيبدّل اللّه سيئاتنا حسنات، تبديل حكم لا تبديل عين».[١]
قلت: لا محيص عن رجوع مسألة الكسب- بهذا التفسير- إلى الجبر الخالص، وليس إلّا فرارا من المطر إلى الميزاب.
القدريّة
هذا الاسم أطلقته المعتزلة على الأشاعرة، باعتبار قولها بالقدر، وأنّ اللّه تعالى هو الذي قدّر الشرّ والكفر، وأنّ أفعال العباد خارجة عن استطاعتهم في الاختيار، بل هي مقدّرة بقدر اللّه وقضائه في علمه الأزلي القديم، حسبما تقدّم في كلام الأشعري.
وحاول الأشعري ردّ هذا الاسم على المعتزلة، بحجّة قولهم بقدرة العبد على فعله واستطاعته فيما يختار. قال: «وزعمت القدرية- يريد بهم أصحاب الاعتزال- أنّا نستحق اسم القدر، لأنّا نقول: أنّ اللّه عزّوجلّ قدّر الشرّ والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريا، دون من لم يثبته. يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه، دون ربّه عزّوجلّ، وأنّه يقدّر أفعاله دون خالقه. وكذلك هو في اللغة، لأنّ الصائغ هو من زعم أنّه يصوغ، دون من يقول:
أنّه يصاغ له. فلمّا كنتم- خطاب إلى المعتزلة- تزعمون أنّكم تقدّرون أعمالكم وتفعلونها دون ربّكم، وجب أن تكونوا قدرية، ولم نكن نحن قدرية، لأنّا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربّنا، ولم نقل: إنّا نقدّرها دونه، وقلنا: إنّها تقدّر لنا».[٢]
[١] - اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، للعارف الشيخ عبدالوهّاب الشعراني، ج ١، ص ١٣٩- ١٤١، المبحث ٢٤؛ والفتوحات المكية، ج ١، ص ١٧٧ و ج ٤، ص ٣٣- ٣٤.
[٢] - الإبانة: ص ١١٥- ١١٦.