التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٢ - استغفار إبراهيم لأبيه
يكون الكلام في ظاهره استخفافا بعقول المخاطبين، فكان كالمستهزئ بهم فيما لايعقلون. والأمر هنا كذلك، فلم يكن كذب البتّة!
٣- وقال تعالى: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ».[١] وهذه مجاملة مع قومه من غير مداهنة ودجل، حيث كانت النظرة في النجوم والتنبّؤ بها رائجة على عهده عليه السلام فأراد مماشاتهم في ذلك استجلابا لنظرهم، في حين أنّ النظر في النجوم والتدبّر في آياته تعالى مرغوب إليه في الشريعة.
وأراد بقوله: «سَقِيمٌ» تأثّره النفسي من جموح قومه عن الاستسلام لقيادة اللّه ورفضهم الدعوة إليه. وبهذا التعبير الموهم خلص بنفسه من مصاحبة قومه، فتركوه وحده وذهبوا للاجتماع بعيدهم خارج البلد. ومن ثمّ وجد إبراهيم فرصته لكسر الأصنام.
٤- وقال تعالى: «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى».[٢] أراد عليه السلام أن يصير علم يقينه عين يقين، إذ مهما كان البرهان قاطعا فإنّه لايبلغ شهود عين.
استغفار إبراهيم لأبيه
٥- وقال تعالى: «وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ».[٣]
هذه الآية اعتذار عن موقف إبراهيم عليه السلام كان واعد أباه (زوج امّه وعمّه) أنّه إن آمن باللّه أن يستغفر له، فأظهر له الإيمان على سبيل النفاق حتى ظنّ به الخير، فاستغفر له، فلمّا تبيّن له أنّه مقيم على كفره رجع عن استغفاره له وتبرّأ منه، وقد أعذره اللّه في قوله: إنّ استغفاره إنّما كان لأجل المواعدة، وأنّه لمّا تبيّن له أنّه مقيم على العداء للّه تبرّأ منه.
وتلك المواعدة جاء ذكرها في سورة مريم: «قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا».[٤]
[١] - الصافات ٨٨: ٣٧- ٨٩.
[٢] - البقرة ٢٦٠: ٢.
[٣] - التوبة ١١٤: ٩.
[٤] - مريم ٤٧: ١٩.